الفصل الرابع
مرّت الأيام ثقيلة كالصخور، لكن شيئًا ما في قلب آلاء بدأ يتغيّر. لم تعد تلك الفتاة التي تحلم فقط، بل بدأت تتحول إلى فتاة تصنع الفارق – ولو كان صغيرًا، ولو كان صامتًا.
ذات صباح، بعد ليلة من البرد والمطر والقلق، سُمعت أصوات داخل المخيم تنادي: "في ورشة للأطفال تحت الشجرة الكبيرة!" لم تكن ورشة عادية، بل كانت مبادرة من متطوعة شابة وصلت غزة قبل شهر، تحمل حقيبة ملونة وقلبًا مليئًا بالقصص.
ذهبت آلاء برفقة يارا، وجلستا على الرمل الرطب بين عشرات الأطفال. كانت الفعالية عن "الرسم بالأمل"، حيث طُلب من كل طفل أن يرسم ما يتمنى رؤيته غدًا. رسم البعض بحيرة، وآخرون رسموا خبزًا، وبعضهم رسموا أمهاتهم الغائبات. يارا، الصغيرة التي بالكاد تتحدث، رسمت بيتًا من أربع نوافذ وقلب في المنتصف.
حين جاء دور آلاء، لم ترسم. بل وقفت وقالت: "أنا ما بدي أرسم... بدي أتكلم." وصمت الجميع. أخذت نفسًا عميقًا، وبدأت تحكي قصتها، عن نزوحها، عن خوفها، عن أمها التي كانت تسهر على نار باردة فقط كي لا يشعروا بالجوع، وعن المرات التي كانت فيها تتظاهر أنها شبعت كي يأكل أخوها. لم يكن صوتها مرتفعًا، لكنه وصل لكل قلب كان هناك.
بعد انتهائها، ساد صمت، ثم صفّق الجميع، حتى المتطوعة التي كانت تحبس دموعها. اقتربت منها وقالت: "آلاء، لازم تكتبي كل هذا. صوتك مش لازم يضيع." وهنا بدأ شيء جديد يتشكل في داخلها، شعور مختلف... أنها ليست فقط ناجية، بل شاهدة، وحارسة لذاكرة غزة.
في تلك الليلة، كتبت آلاء أول صفحة من دفتر جديد: "هذا ليس يوميات حرب، بل يوميات القلب الذي يرفض أن يموت رغم كل شيء." وبدأت تكتب كل ليلة، عن الجارات، عن المارة، عن الذين ضحكوا رغم فقدهم، والذين مشوا على الركام كأنهم يمشون في مهرجان للورود.
تحوّلت خيمتها إلى مكان يأتي إليه الأطفال ليسمعوا، النساء ليحكين، الكبار ليسترجعوا ما تبقى من أصواتهم. لم تعد الحياة أسهل، لكن شيئًا في وجه آلاء أصبح أكثر وضوحًا… كانت تشع، رغم الغبار، مثل شمعة تحرس ليلًا طويلاً لم ينتهِ بعد.
كانت تعرف أن الحرب لم تنتهِ، لكنها بدأت تؤمن بشيء آخر: أن الحكاية، إن لم تُروَ، تموت. وأنها، بكل ما فيها من خوف وألم وأمل، ستكون من يرويها.
(هكذا كانت الحياة في غزة، بين الحطام والموت، بين الصمت والانفجارات، هناك من لا يزالون يحلمون. وآلاء كانت واحدة منهم.)