الظُلم في غزة - الفصل الثالث - بقلم بتول حسن محمود بزور - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الظُلم في غزة
المؤلف / الكاتب: بتول حسن محمود بزور
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثالث

الفصل الثالث

مر أسبوع على آخر غارة جوية ضربت الحي الذي أصبحت فيه خيمة آلاء وعائلتها تقف مثل وردة وسط مقبرة. ذلك الصباح، بدا أكثر هدوءًا من المعتاد، إلى حد أن صوت العصافير -التي لم يسمعها أحد منذ شهور– تسرّب خافتًا من بين الأشجار المتناثرة قرب الطريق الترابي. قررت آلاء أن تمشي قليلاً وحدها. احتاجت أن تستنشق شيئًا غير رائحة البارود والدم، أن تشعر أن قدميها لا تزالان تعرفان طريقهما في الحياة. مرّت من جانب حائط مهدوم، عُلّق عليه ورق كُتب عليه: "عيادة ميدانية – الدخول للضرورة فقط". نظرت داخله، فرأت طاولة صدئة، وبعض الأدوية المبعثرة، وفتاة صغيرة تبكي في زاوية الغرفة. اقتربت منها، وسألتها برقة: "وين أمك؟" رفعت الفتاة نظرها، ومسحت دموعها وقالت: "راحت تدوّر على أخوي... من وقت القصف وما رجع". لم تعرف آلاء ماذا تقول، لكن جلست بجانبها، وأخذت يدها في يدها، وبقيا صامتتين. كانت تلك اللحظات الصامتة أغلى من ألف كلمة. عادت آلاء إلى الخيمة ومعها الطفلة. لم تسألها أمها الكثير، فقط فرشت لها بطانية قديمة وقالت لها: "اسميها يارا". ومنذ تلك اللحظة، أصبحت يارا جزءًا من العائلة. بدأت آلاء تقصّ عليها كل ليلة قصة. لم تكن تملك كتبًا، فكانت تؤلفها من خيالها، قصصًا عن طيور لا تخاف القذائف، وأمواج بحر تحفظ أسماء الشهداء، وأزهار تنبت على أطراف الجراح. كانت يارا تضحك أحيانًا، وتغفو أحيانًا، وتبكي كثيرًا. وآلاء... كانت تكتب في دفترها كل ليلة: "أنا الآن أم لأمل جديد، وإن كانت الحرب سرقت منا كل شيء، فلن نسلم لها قلوبنا." وفي يوم خميس، جاء متطوعون من الخارج يحملون صناديق كتب للأطفال. لم تصدق آلاء عينيها حين رأت تلك العناوين البراقة، المغلفة بعناية. اختارت كتابًا بعنوان: "العالم كما يجب أن يكون"، وجلست مع يارا تقرأه بصوتٍ مسموع. كان كل من يمر بجانب خيمتهم يتوقف قليلاً ليستمع، ثم يكمل طريقه بقلبٍ أخفّ قليلاً. تلك اللحظة، وسط الخراب، أدركت آلاء شيئًا جديدًا: الكتاب يمكن أن يكون ملجأ، والخيال وطن، والصوت الخافت بداية ثورة. ولأول مرة منذ شهور، شعرت أن الحياة، رغم كل شيء، لا تزال تحاول أن تعيش.