الظُلم في غزة - الفصل الثاني - بقلم بتول حسن محمود بزور - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الظُلم في غزة
المؤلف / الكاتب: بتول حسن محمود بزور
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثاني

الفصل الثاني

في اليوم التالي، كانت السماء ملبدة بلون رمادي خافت، كأنها لم تنم منذ أشهر، تمامًا كأهل المدينة. ارتدت آلاء عباءتها القديمة، وربطت على خصرها قطعة قماش كانت تستخدمها لحمل الأشياء، وتوجهت نحو مكان توزيع الطحين. كانت تمشي بين الخيام المتراصة كأكفان مؤجلة، تستمع إلى بكاء طفل هنا، وسعال عجوز هناك، وصوت الراديو اليتيم يبث آيات قرآنية من جهاز مشوش الصوت. وقفت في الصف لساعات، والشمس الحارقة رغم الشتاء تضرب وجوه الناس بلا رحمة. حين جاء دورها، نظر إليها الرجل خلف الكيس وقال: "انتهى الطحين." لم تبكِ، لم تصرخ، فقط قالت: "شكراً"، وعادت أدراجها. حين وصلت الخيمة، وجدت أمها جالسة القرفصاء تمسك بصورة قديمة للعائلة التُقطت قبل الحرب. كانت الصورة ممزقة قليلاً من طرفها، وفيها يبتسم والد آلاء، الذي فُقد قبل شهرين تحت أنقاض مبنى في غزة ولم يُعثر على جثمانه. نظرت آلاء إلى الصورة ثم جلست بجانب أمها. لم يتبادلا الكلام، فقط كانتا هناك، تستندان إلى بعضهما البعض كجدارين مائلين يحاول كل منهما ألا يسقط على الآخر. في تلك الليلة، سمعت آلاء صوت طرق خافت على قطعة الصفيح التي تغلق مدخل الخيمة. كان طفلًا صغيرًا، نحيلًا كظل، يحمل في يده كيسًا فيه بعض العدس. قال لها: "أمي تقول إن عندكم أطفال... خذوا." شكرت الطفل، وقبّلت يده، ثم أسرعت لتحضير القليل مما تيسر. وفي الظلام، حين نام الجميع، أمسكت دفترًا صغيرًا وجدت غلافه بين الركام منذ أسابيع. وبدأت تكتب: "اليوم، نجونا. غدًا لا أدري، لكنني لن أتوقف عن الحلم. سأسمي ابني الأول (سلام)، وابنتي (فرح). وسأبني بيتًا لا سقف له لأن السماء وحدها تكفيني." مرّت الأيام، وتكررت الغارات، والنزوح، والجوع، لكن آلاء لم تتوقف عن الكتابة، ولا عن الابتسام لشقيقها كل صباح، ولا عن زرع الأمل في خيمة مجروحة من كل الجهات. كانت الحياة تنهار حولها، لكنها قررت أن تبني شيئًا، ولو على الورق. وفي أحد الأيام، حين خفت صوت الحرب لبضع ساعات، وقفت آلاء عند مدخل الخيمة، ونظرت إلى الشمس، وقالت بصوت خافت: "ربما لن نعيش لنرى الفجر، لكننا سنكون نحن نوره، ولو من تحت الركام."