ظلال القرب
في أحد الأحياء الهادئة، على أطراف المدينة، يقع منزل ذو طابقين، تحيط به أشجار الياسمين والعشب الأخضر، وتغمره رائحة القهوة صباحًا وهمسات المطر مساءً.
تسكنه يارا، فتاة في الثالثة والعشرين من عمرها، رقيقة كنسمة، يتيمة منذ طفولتها، نشأت في هذا البيت على يد عمّها، بعد رحيل والديها في حادث سيارة. عمّها رجل مسافر أغلب الوقت، يعمل في الخارج ولا يعود إلا في الأعياد، لذا أوكل رعاية ابنته بالتبني يارا إلى ابنه تيم، الذي يكبرها بخمس سنوات.
تيم، شابٌ هادئ، طويل القامة، يعمل مهندسًا معماريًا، يعود كل مساء إلى البيت، يجلس بصمت في الشرفة أو أمام الحاسوب، لا يكلّم كثيرًا، ولا يُظهر ما في داخله… إلا بنظراته.
هكذا عاشا معًا تحت سقف واحد، لسنواتٍ طويلة، دون أن يتجاوز أحدهما حدّه… أو هكذا كان يُظن.
لكن في الأشهر الأخيرة، بدأت المسافات تضيق، والقلوب تهمس، وعيون تفضح ما لم يُقَل.
في مساء خريفي ناعم، جلست يارا في الصالة، ترتدي قميصًا منزليًا بسيطًا بلونٍ وردي، وشعرها البني ينسدل على كتفيها. كانت تحمل كتابًا في يدها، إلا أنّ عينيها لم تقرآ منه شيئًا.
دخل تيم إلى البيت، وعلّق معطفه بهدوء. نظر إليها للحظة طويلة، ثم قال بصوته العميق:
— مساء الخير، يارا.
رفعت وجهها نحوه، ابتسمت بخجل:
— مساء النور، تيم.
اقترب منها، جلس على الطرف الآخر من الأريكة. ساد صمتٌ خفيف، إلا من صوت المطر خلف النافذة.
قالت بصوت منخفض:
— ألا تشعر بأنّ هناك شيئًا قد تغيّر؟
رفع نظره إليها، تأمّل عينيها المتسائلتين، ثم قال:
— منذ زمنٍ، وأنا أشعر… لكنّكِ كنتِ صغيرة، وكنتُ أكذب على قلبي.
أخفضت رأسها، ابتسمت دون وعي، ثم همست:
— أظنّني لم أعد كذلك، تيم.
اقترب منها قليلاً، مسح خصلة شعر سقطت على وجنتها، وقال بصوتٍ هامس:
— بل أصبحتِ امرأة... تسرق أنفاسي كلّما نظرتُ إليها.
ارتجفت أنفاسها، وتجمّدت في مكانها، لم تعرف هل تصدّه أم تستسلم… لكن قلبها كان قد اتخذ قراره
مرت لحظاتٌ ثقيلة، صامتة، لكنها كانت تعجّ بالارتباك والتوتر الخفي. نظرات تيم كانت ثاقبة، تشبه اللمسة دون أن يمدّ يده، بينما كانت يارا تطرق برأسها كمن يحاول إخفاء ارتجافة الشعور الجديد الذي بدأ يتسرّب إلى صدرها.
قال فجأة، بصوت خافت:
— أتدرين يا يارا... لم يكن الأمر سهلاً أبدًا. أن أراكِ تكبرين أمامي، وتتحولين من تلك الطفلة التي تلهو خلفي إلى هذه المرأة... التي تأسرني.
رفعت عينيها إليه، نظراتها ممتلئة بالدهشة، وبشيء من الخوف... وخجلٍ لم تعرف كيف تخفيه.
— تيم... أنا لا أفهم ما تقول.
اقترب منها أكثر، حتى صار لا يفصلهما إلا الهواء.
— بل تفهمين... أنتِ فقط تخشين الاعتراف.
مدّ يده ببطء، ولمس طرف أصابعها. كانت يده دافئة، وملامستها أشعلت برقًا خافتًا تحت جلدها.
— لا أريد أن أكون مجرد ابن عمّ، ولا ظلًّا في البيت... أريد أن أكون من تفكّرين به حين تستيقظين، ومن تشتاقين إليه حين أغيب.
شهقت بصوت خافت، وهمست:
— لكنّنا... نعيش معًا، تيم. هذا... معقّد.
ضمّ أصابعها بلطف بين يديه، ثم رفع يدها إلى شفتيه، وقبّلها قبلة خفيفة، حريرية، جعلت قلبها يرتعش.
— ما بيننا ليس معقّدًا... بل واضح جدًا. كل شيء فيكِ يصرخ باسمي، وكل نبضة في صدري تناديكِ.
لم تستطع الرد، كانت تنظر إليه بدهشة، وشعور بالضياع الجميل. ثم تمتمت:
— لماذا الآن؟
أجاب، وعيناه لا تغادران عينيها:
— لأنّي لم أعد أحتمل أن أنظر إليكِ كل مساء... وأتظاهر بأنني لا أشعر بشيء.
في تلك اللحظة، لم تكن يارا سوى أنثى مشتاقة لكلمة، لنظرة، لاعتراف... ولرجلٍ كان دومًا قريبًا، لكنّه الآن فقط... ملكها تمامًا.