اافصل الثامن
الساعة كانت 3:00 فجرًا. المدينة صامتة، لا صوت سوى أنفاس الليل البطيئة، ونافذة يوسف المفتوحة على ظلام بارد. جلس على طرف السرير، كأنه ينتظر شيئًا... أو كأنه فقد شيئًا، لكنه لا يريد الاعتراف.
أمسك بهاتفه، لا إشعار من رُقيّة. مرّت أيام دون أن يراها. حتى رسائلها توقفت، وصوتها اختفى.
فلاش باك... قبل أسبوع
كانت تمطر بغزارة، واليوم الطويل انتهى متأخرًا. يوسف واقف جنب سور المكان اللي اعتادوا يلتقوا فيه، عيناه تدوران تبحث عنها. لكنها لم تظهر. أحمد جرى نحوه وهو يلهث.
ـ "يوسف... تعالى معايا بسرعة... رُقيّة اتنقلت المستشفى."
ـ "إيه؟!" صرخ يوسف، واتسعت عيناه كأن قلبه سقط بين رجليه.
ـ "وقعت وهي طالعة على السطح علشان تجيب الغسيل، دماغها خبطت في الدرابزين، والدكتور قال ممكن يكون في ارتجاج أو نزيف."
يوسف لم يسمع بقية الكلام، جرى بكل قوته وسط المطر، وقلبه ينبض كأنه يصحو بعد غيبوبة طويلة.
باك..... الساعة 3:00 فجرًا
مرّت الأيام، رُقيّة تعافت، لكنها لم تأتِ. لم تتصل. يوسف شعر أن شيئًا ما تغير داخله منذ أن علم أنها كانت قد تختفي.
كان يشرب شايًا مرًا من كثرة التفكير، ولما سمع الباب يُطرق، توقف قلبه لحظة.
فتح الباب.
كانت هي.
رُقيّة، واقفة أمامه، ترتدي معطفًا واسعًا ووجهها يبدو عليه التعب... لكن عينيها تلمعان.
ـ "يوسف..." كان صوتها ضعيفًا، لكنه مليء بالمشاعر.
ترك الباب مفتوحًا، غير قادر على الحركة.
ـ "أنا جيت علشان أقولك... أنا كنت خايفة. من مشاعري، منك، من الماضي بتاعك... بس وأنا في المستشفى، كنت بفكر فيك. كل لحظة، كل ثانية. وقلبي... قلبي كان بيناديك."
اقتربت منه، وضعت يدها على صدره.
ـ "أنا بحبك، يوسف. مش بس علشانك، لكن علشان الوجع اللي جواك... اللي أنا حاسة بيه."
تجمّد يوسف. لم يُصدق.
ـ "بتقولي إيه؟" خرج صوته مبحوحًا، كأنه يخرج من تحت الركام.
ـ "بحبك. وإنت؟" ابتسمت، وكأنها على وشك البكاء.
لم يعرف كيف يرد. ترك كل شيء، واقترب منها، عانقها كطفل تائه عاد أخيرًا إلى بيته.
لكن في داخله، في تلك اللحظة، عرف أن رُقيّة ليست مجرد فتاة، بل كانت خلاصه.
كانت نسمة حنونة وسط عواصف عمره.