الصدى الأول
الفصل الثالث: الصدى الأول
كان الصباح في نِسيا لا يبدأ بالشمس، بل بتقارير "الصدى" — وهي سجلّات تُرسل لكل ساكن تُظهر إن كان لصوته أثر، لفكرته صدى، أو لفعله أثر باقٍ.
ياسمين وجدت ورقة صغيرة تحت باب غرفتها، مطبوعة على ورق أزرق شفاف:
"أُثِرتِ طفلةً تدعى لِيار… بسبب حديثك عن نظرة الأمهات. هل تُتابعين الأثر؟"
لم تفهم فورًا. لكن لينّا، المرشدة، ظهرت في تلك اللحظة كأنها تعرف ما دار بذهنها، وقالت:
> "في نِسيا، حين تتركين أثرك… تُمنحين خيارًا:
أن تُتابعي أثر فكرتك… أو تتركيه يكبر وحده."
سألتها ياسمين:
> "وماذا يحدث إن تابعتُه؟"
ردّت لينّا:
> "ستواجهين مرآتك، لكن على هيئة إنسان آخر."
---
قادت لينّا ياسمين إلى منطقة تُعرف باسم "صدى الفكرة"، حيث يعيش أولئك الذين تأثّروا بأفكار الغرباء.
في غرفة صغيرة من الخشب والضوء، جلست فتاة لا تتجاوز العاشرة. شعرها مائلٌ للذهبي، وملامحها تحمل وجعًا لم يُخلق لطفلة.
قالت لها لينّا:
> "اسمها لِيار. كانت تعتقد أن والدتها تخجل منها لأنها لا تتحدث كثيرًا.
لكنها سمعت حديثك عن الأمهات… وفهمت أن الحبّ لا يحتاج إلى ضجيج."
دخلت ياسمين بخطى مترددة. نظرت لِيار إليها، وابتسمت بخجل.
> "أنتِ من جعلتِ ماما تحضنني أمس لأول مرة منذ شهور..."
تجمّدت الكلمات في حلق ياسمين. أرادت أن تقول شيئًا، لكن قلبها أضاء قبل لسانها. في تلك اللحظة، توهّجت نواة الإدراك المعلّقة على صدرها، حتى تحولت إلى لون ذهبيّ شفاف.
ظهر فوقها نقش مضيء:
"غذّيتِ روحًا، فاستحققتِ باب التأثير الثاني."
---
بينما كانت ياسمين تتأمل هذا التحوّل، كان مصطفى في مكانٍ آخر، يواجه اختباره الأول.
أُخذ إلى غرفة تسمّى "مكعب الصمت" — غرفة لا تسمح بخروج أي صوت، ولا بأفكار سطحية.
جلس هناك لمدة ساعة، ثم سُئل بصوت داخلي:
> "قل لنا ما لم تقله… لنفسك."
شعر بالارتباك. ثم قال، دون صوت، فقط بفكره:
> "أنا لم أكن أبحث عن نِسيا…
كنت أهرب من رجلٍ خائف داخلي."
لحظتها… تحركت البلّورة المعلّقة في صدره. لم تضيء، لكنها تشقّقت بخطٍ أبيض ناعم، كأنها بدأت تفهم.
---
في المساء، اجتمع الاثنان، وجلسا في ساحة صغيرة قرب جسر يُعرف باسم "جسر العبور الأخير".
قالت له ياسمين:
> "أشعر أنني لم أعد كما كنت."
أجابها مصطفى:
> "وأنا بدأت أفهم أن نِسيا لا تريدنا عباقرة… بل صادقين."
نظرت إليه، ثم قالت:
> "لكن ماذا لو لم نقدر أن نترك أثرًا كافيًا؟"
نظر إلى البلّورة المشقّقة في صدره، وقال:
> "عندها… سنتعلم كيف لا نرحل دون محاولة."
---
نهاية الفصل الثالث