أرض نِسيا - الليله الأخيره على الخريطه - بقلم ياسمين أحمد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: أرض نِسيا
المؤلف / الكاتب: ياسمين أحمد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الليله الأخيره على الخريطه

الليله الأخيره على الخريطه

الكاتبة ياسمين أحمد --- الفصل الأول: الليلة الأخيرة على الخريطة الخامسة مساءً. كانت شمس القاهرة تستعد لتوديع السماء بلونٍ كهرمانيٍّ خافت، والمدينة تزدحم كعادتها بين ضجيج الشوارع وهدير الأرواح المزدحمة. مصطفى، الشاب الثلاثيني ذو النظرة الهادئة، كان يسير بين الأزقّة القديمة كأنه يودّع زمنًا بأكمله، لا حيًّا فقط. لم يكن يومًا عاديًا. كان اليوم الذي سيتّخذ فيه القرار الذي طال تأجيله: أن يتبع أثر المخطوطة. كانت تلك المخطوطة مطويّة داخل صندوق خشبي صغير وجده في مكتبة جده، وقد كُتب عليها بخطٍ عربيّ قديم: "إلى من يظنّ أنه يفهم العالم... ثمة باب لم يُفتح بعد." احتوى النص على وصفٍ غامض لمكان يُدعى نِسيا، أرض لا تظهر على الخريطة، لا يراها من يطلبها، ولكن يجدها من يستحقّها. قيل إنّها مكانٌ لا تُشترى فيه الحاجات، بل تُمنَح مقابل فكرة تغيّر… لا مجرد فكرة تُقال. ولأن مصطفى كان دومًا مهووسًا بالمعرفة التي لا تُدرّس، قرر أن يتبع أثر النص. لم يكن يؤمن بالخرافات، لكنه آمن أن للعلم وجوهًا لا نراها. في طريقه، التقى بها. ياسمين. فتاة كانت تُدرّس الفلسفة في الجامعة، لكنها هجرتها منذ عام لتبدأ بحثًا ميدانيًا عن أثر الرموز الثقافية المنقرضة. قالت له ذات لقاء: > "بعض الرموز لا تموت... فقط تنتقل إلى عوالم أخرى." ابتسم حينها، وفتح لها قلبه، حدّثها عن نِسيا، فصمتت طويلًا ثم همست: > "سُمّيت نِسيا... لأنها تنسى من لا يُجيد التذكّر." قرر الاثنان أن يبحثا معًا. وكانت العلامة واضحة كما ذُكرت: في الليلة السابعة من قمر الربيع، حين تنخفض درجة الحرارة في منتصف الصحراء دون سبب، يظهر لهم بابٌ بلا مفتاح، وظلّ بلا جدار. --- كان الباب، حرفيًّا، مجرّد إطار حجريّ واقف وحده وسط أرضٍ رملية، لا خلفه شيء... ولا أمامه. ولكن عندما وقفا أمامه، شعر كلٌّ منهما وكأنّ روحه تسبح في دوّامة لا تُرى. وما إن خطيا عبره، حتى اختفى الباب. --- استيقظ مصطفى على صوت موسيقى لم يسمع مثلها قط. كانت تشبه النبض، أو ارتجاف الذهن. حوله كانت مدينة تشعّ بلونٍ غير مألوف، والمباني كأنها حيّة، تتنفس، وتستجيب للحركة. بجانبه كانت ياسمين، عيناها تتسعان بدهشة طفلة. اقترب منهما شخص طويل القامة، يرتدي عباءة شبيهة بالضوء. قال بهدوء: > "مرحبًا بكما في نِسيا... أرض من لا يتقن النسيان، ومن يُدرك أن الفكرة مسؤولية لا ترف." سأله مصطفى: > "ما القوانين هنا؟" ردّ الرجل، ونبرة صوته كأنها تنساب من داخله: > "كل ما تأخذه هنا يُدفع بثمن... لكن ليس مالًا، ولا عدد أفكار. في نِسيا، لا يُقبل إلا فكر غيّر شيئًا. كل فكرة أثّرت بك... أو بغيرك… تُسجّل في نواة الإدراك. إن لم تُنتج تغييرًا... فلن يُقبل لك طلب. وإن استهلكت أكثر مما أثّرت... تُسحب منك أفكارك… واحدة تلو الأخرى…" أشار إلى حجرٍ صغير معلّق في أعناقهم: > "هذه نواة إدراكك. لا تلمع إلا حين تغيّر شيئًا حقيقيًا. حاذرا أن تنطفئ." --- نهاية الفصل الأول