أعشقك حتى في جنوني - الفصل السادس - بقلم شهد جباب - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: أعشقك حتى في جنوني
المؤلف / الكاتب: شهد جباب
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل السادس

الفصل السادس

كان اليوم مشمسًا رغم أن قلب رُقيّة كان غارقًا في السحب. بعد يومين من انفجار يوسف الأخير، كان كل شيء حولها يبدو ضبابيًا، كما لو أن الحياة نفسها توقفت. كانت تراقب المكان الذي التقت فيه معه لأول مرة، الحديقة الهادئة التي كانت مليئة بالأمل في لحظات سابقة. الآن، كانت تبدو فارغة، باردة. وكأن الفرح الذي كان يملؤها قد اختفى. رُقيّة جلست على المقعد الخشبي، مغمضة عينيها. كان ذهنها مشغولًا بالحوار الذي دار بينهما، بكلمات يوسف التي كانت تتردد في أذنيها مثل صدى بعيد. كانت تحاول أن تجد نقطة توازن بين حبها له وخوفها من خسارته. فجأة، جاء صوت مألوف. كان الصوت منخفضًا وحذرًا، وكان يحتوي على شيء مختلف، شيئًا لم تعهده من قبل. "رُقيّة." جاء الصوت بصوت منخفض، وكأنّ صاحبه خائف من أن ترفضه. استدارت بسرعة، ليظهر أمامها يوسف. كانت ملامحه شاحبة، وعيناه محمرتين من الإرهاق، كما لو أن الأيام الأخيرة كانت قد أرهقته. كان يقف هناك، يبتعد قليلاً عن المقعد، ينظر إليها بتوتر، وكأنّه يتجنب أي كلمة قد تجرح. "يوسف…" قالتها رُقيّة بصوت هادئ، كان قلبها ينبض بسرعة، لكنها حاولت أن تتماسك. "إنت جاي علشان تعتذر؟" "أيوه، أنا عايز أعتذر." قال يوسف، وأخذ خطوة أخرى نحوها، لكنه توقف فجأة وكأنّه يخشى الاقتراب أكثر. "أنا… أنا عارف إنّي تسببتلك في ألم كبير، وبصراحة مش عارف كيف أبدأ. لكن أنا عايزك تعرفي إنّي مش هقدر أعيش من غيرك، ورغم اللي حصل، أنا مش قادر أتخيل حياتي من غيرك." رُقيّة نظرت إليه لحظة طويلة. كانت هناك لحظات قليلة في الحياة التي تضعك أمام هذه المفترقات، أمام شخص كنت تحبّه بشدة، لكنّه جعل قلبك ينكسر. في تلك اللحظة، فهمت شيئًا عميقًا في نفسه، شيء لم يكن واضحًا لها من قبل. يوسف لم يكن يصرخ من أجل أن يصرخ، كان يصرخ لأنه لا يستطيع أن يُظهر ضعفه، خوفًا من أن يُجرح. "أنا مش هقدر أنسى اللي حصل، يوسف. بس مش كل شيء ممكن يكون ماضي." قالت رُقيّة، وكانت كلماتها ثقيلة، لكنها صادقة. "لكن أنا فاهمة أكتر الآن. فاهمة إنك مش مجنون. فاهمة إنك بتحارب مشاعر كتير، وكنت محتاج حد يقف جنبك." يوسف، الذي كان ينتظر أن يسمع كلمات اللوم، شعر بشيء مختلف. كان يحاول أن يمسك دموعه، لكنه لم يستطع. كان غارقًا في الإحساس بالندم، وفي الوقت ذاته، كانت رُقيّة تقف أمامه، وكأنّها تحمل مفتاح الأمل. ثم، فجأة، دخل شخص. كان رجلًا في الثلاثينات من عمره، ذو لحية خفيفة وعينان حانيتان، وابتسامة هادئة تضيء وجهه. كان يبدو وكأنه شخص يهتم. كان هو "أحمد"، صديق يوسف القديم، الذي كان يعرفه جيدًا. "يا يوسف، كنت عارف إني هلاقيك هنا." قال أحمد، وهو يقترب مبتسمًا. "مش ممكن تحاول تروح علشان تلاقي طريقك؟" يوسف نظر إليه بحيرة، بينما رُقيّة كانت تراقب المشهد بصمت. بدا أحمد وكأنّه الشخص الوحيد الذي يعرف كيف يتعامل مع يوسف في هذه اللحظات العصيبة. "أحمد، ده كل شيء مش سهل بالنسبة لي." قال يوسف بصوت متعب. "أعرف، بس إنت مش لوحدك، يوسف." قال أحمد وهو يضع يده على كتفه. "أنتَ مش لوحدك في المعركة دي. كلنا هنا علشانك." لم تستطع رُقيّة أن تبتعد عنهمارواية. كانت ترى كيف كان أحمد يساهم في تهدئة يوسف، وكيف كان يوسف يستجيب لصديقه بعينين مليئتين بالامتنان. كان من الواضح أن يوسف كان يحتاج لدعمه، وكان أحمد الشخص الوحيد الذي استطاع أن يراه في تلك اللحظة. رُقيّة ابتسمت برقة، وأخذت نفسًا عميقًا. شعرت بالراحة قليلاً، ربما لأنّها أخيرًا رأت يوسف يفهم أن الألم ليس عبئًا يجب أن يحمله وحده، وأنه لا ينبغي له أن يقاتل وحده. "أنا متشكرة، أحمد." قالت رُقيّة، وهي تبتسم له. "أنا مش عايزة أكون جزء من معركته، بس عايزة أكون هنا علشان أساعده، سواء كان معايا أو من غيري." نظر إليها يوسف، وقال بصوت خفيض: "أنا آسف. مش عارف كيف أشرح لك قد إيه أنا ندمان." "أهم حاجة إنك تحاول، يوسف." قالت رُقيّة، وكأنّها تعطيه الأمل من جديد. بينما كان يوسف وأحمد يتحدثان معًا، كانت رُقيّة تحاول أن تعيد ترتيب مشاعرها. شعرت بشيء جديد ينبثق في قلبها: الأمل. كان هناك دائمًا مجال للغفران، وكنت قد تعلمت أن الأمل لا يأتي فقط من الاعتذار، ولكن من قدرة الشخص على التغيير، وتفهم الآخر. ورغم أنّها كانت غير متأكدة تمامًا من كيفية سير الأمور بينهما، إلا أنّ قلبها كان يشعر بشيء مختلف، شيء مليء بالفرص التي لم تُستغل بعد.