الفصل الرابع
مرت الأيام التالية ببطء، لكن رُقيّة شعرت بأن الزمن يسير أسرع عندما كانت برفقة يوسف. كل لحظة معه كانت مشحونة بشعور لا يمكن تفسيره، وكان كل شيء فيها يبدو ذا معنى عميق. كانت تتقرب منه أكثر، ولكنها في ذات الوقت تشعر بقلق متزايد. كانت تلك المشاعر التي بدأت تنمو في قلبها أصبحت أقوى من أن تُهملها، ولكنها كانت تخشى أن تصبح ضعيفة أمام هذا الرجل الغريب.
في صباح أحد الأيام، كان الجو غائمًا، والنسيم باردًا، وهو ما جعل الحديقة أكثر هدوءًا من المعتاد. اقتربت رُقيّة من المقعد الذي يجلس عليه يوسف، كما اعتادت، ورأت عينيه الحزينة تراقب السماء. كان جالسًا بمفرده، وكأنّه يحمل عبئًا ثقيلًا على قلبه، وكان جسده يبدو متعبًا كما لو أنّه يواجه شيئًا داخليًا يعجز عن تفسيره.
جلست بجواره دون أن تنطق بكلمة، ولفترة طويلة ظل الصمت هو سيد الموقف بينهما. رُقيّة كانت تعلم أن الشيء الوحيد الذي يربطهما الآن هو الحضور، والشعور المشترك الذي بدأ ينمو بينهما.
ثم فجأة، بينما كانت تحاول أن تلتقط أنفاسها، حدث شيء غريب. تحركت يده ببطء، ووصلت إلى يدها دون أن يشعر، ولم تكن هي التي تحركت أولاً، بل كانت يد يوسف هي التي اقتربت، وكأنّها تبحث عن شيء ما، ربما عن اطمئنان.
توقف الزمن للحظة.
أغمضت رُقيّة عينيها، وارتجف قلبها من تلك اللمسة البسيطة، ولكنها كانت كافية لكي تشعر بأنها قد اجتازت حدودًا كانت تحاول تجنبها. كانت تلك اللمسة أكثر من مجرد اتصال جسدي. كانت محملة بالكثير من الأحاسيس والمشاعر، وكأنّها رسالة غير مُعلنة بينهما.
"إنتِ حاسة بيا؟" همس يوسف بصوت منخفض، ولم يكن بحاجة لأن يرفع صوته ليصل إلي قلبها. كانت كلماته مثل الرياح التي تلامس الوجوه، تحمل همسات صغيرة لكنها تترك أثرًا عميقًا.
رفعت رُقيّة رأسها ونظرت إليه، عيونها مليئة بالتردد. كانت تشعر بأنّ قلبها بدأ يتكلم بدلاً منها. كيف يمكن للإنسان أن يتحمل مثل هذه المشاعر المكثفة؟ كيف يمكنها أن تقاوم عندما كل ما حولها يبدو مليئًا بالوعد والمخاطرة؟
قالت بصوت خافت، وهي تحاول ألا تُظهر خوفها: "أنا مش عارفة أكون معاك من غير ما أتعلق. أنت مش عامل في حياتك مكان لحد تاني غير نفسك."
لكن يوسف لم يُجب على كلامها فورًا، بل كان يحدق في عينيها، ويداه كانت لا تزال تلامس يدها، وكأنّه يشعر بما لم تقله. ثم، فجأة، تحرك وجهه، واقترب منها قليلاً، كانت المسافة بينهما ضئيلة جدًا لدرجة أن رُقيّة شعرت بلهيب عينيه في قلبها.
"لكن لما تكوني معايا، مش هتكوني لوحدك. يمكن أنا مش أفضل شخص، ويمكن ده شيء مش طبيعي. لكن في اللحظة دي، أنا مش هخليكي لوحدك."
شعرت رُقيّة بشيء ثقيل في قلبها، كان هناك شيء عنيد في كلمات يوسف، شيء جعلها تدرك أنها على حافة شيء عميق، شيء ربما كان يمكن أن يتغير لو أنها سارت معه إلى أبعد من ذلك.
ثم، وفي تلك اللحظة، تساقطت دمعة من عينيه، وكان ذلك المشهد كافيًا لتهز مشاعرها أكثر. كانت الدمعة تتدحرج على خده بلطف، وكأنّها تعبير عن ألم دفين لا يمكن أن يُحكى بالكلمات. تلك الدمعة، كانت أكثر من مجرد إشارة على حزنه، كانت بالنسبة لها بمثابة اعتراف.
"ليه؟" قالتها بصوت مرتجف، وهي ترفع يدها لتلمس خده بحذر، وكأنها تشعر بأنّ هذه اللمسة ستكون قادرة على مسح ألمٍ قديم.
نظرت في عينيه، وفجأة اكتشفت أنها لا تملك القدرة على الابتعاد. كانت مشاعرها قد اتخذت مسارًا آخر، مسارًا لا يمكنها التراجع عنه الآن. هذه اللحظة، هذه الدمعة، كانت كل شيء بالنسبة لها.
"أنا... مش قادر أشرح لك." قالها يوسف، وهو يشعر بالإرهاق، ثم أضاف: "بس أوقات لما تكون وحدك، تكون محتاج حد يكون جنبك عشان يطبطب عليك. حتى لو كنت مش هتقدر تغير اللي جواك."
كانت يديها لا تزال على خده، وحينها شعرت بأنّها جزء منه، وأنّ اللمسة كانت أكثر من مجرد احتياج جسدي. كانت نفس اللمسة التي قد تكون مفتاحًا لقلوبهم المكسورة.
ولكن، ومع ذلك، كان هناك شيء آخر يعكر صفو هذه اللحظة، وكان قلب رُقيّة ما زال مليئًا بالأسئلة: هل هي مستعدة لهذا؟ هل يمكنها أن تسمح لنفسها بالانغماس في هذا التعلق؟
"أنا مش عارفة لو أقدر أخد خطوة تانية، يوسف. أنا خايفة من نفسي، وخايفة من اللي جواك."
كان يوسف يحاول أن يخفف من حدّة التوتر في الجو. "الخطوات اللي بنخاف منها هي أكتر الخطوات اللي بتكون مهمة."
وفجأة، بدت اللحظة كما لو أنها توقفت. كانت اليد التي كانت تلمس خده قد انتقلت إلى قلبه، وكأنّها تحاول أن تلمس ما هو أعمق من جسده، شيء في روحه المكسورة.