أعشقك حتى في جنوني - الفصل الثالث - بقلم شهد جباب - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: أعشقك حتى في جنوني
المؤلف / الكاتب: شهد جباب
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثالث

الفصل الثالث

مرت الأيام بعد اعتراف يوسف، لكن الحديقة مازالت كما هي، والمقعد الخشبي نفسه، والسماء التي لا تتغير. وحده قلبها تغيّر. صار يسبقها إلى المكان، يختبئ في ظلّ الشجرة، وينتظر. الطريق لم يكن بعيدًا، لكنها شعرت أنّها تمشي فوق رمال متحرّكة. كانت خطواتها مترددة، كما لو أنها تخشى أن تطأ على شيء هشّ… ربما مشاعرها. كان موجود. كأنّ قلبها توقّف للحظة، ثم عاد ليخفق بطريقة غير مألوفة. هي لم تكن تنوي أن تتورط. لكن كيف تُقنع قلبًا بدأ يحلم؟ اقتربت، نظرت إليه. شعره فوضوي كما اعتادت، ووجهه يحمل ما لا يُقال. لكنها اليوم لا تريد أن تفكر، فقط تسأل. "إنت هنا تاني؟" قالتها بصوت منخفض. "مفيش مكان تاني ممكن أروح له. المكان ده بقى جزء مني." قالها بهدوء غريب. جلست. وما بينهما كان صمت أعمق من أي كلام. هي لا تعرف إن كان القرب راحة أم عبء. لكنه يخيفها. "ممكن أسألك سؤال؟"قالت. "أكيد، اسألي." نظرة عينيه كانت مفتوحة على وجع قديم. "إنت مش خايف إنّنا... نتعلق؟" كأنها تسأله عن مصيرهما، دون أن تذكر مصيرًا. "ممكن... بس ليه التعلق شيء سيء؟" كان جوابه بسيطًا، لكنّه فتح في قلبها أبوابًا كثيرة. هي لم ترد أن تراه كعبء، ولا أن تحمل جروحه معها. هي فقط خائفة أن تُضيع نفسها فيه. "أنا مش عايزة أتعلق بيك... مش علشان مش عايزة، بس علشان خايفة." كان صوتها أهدأ من همس الريح. "خايفة من إيه؟ مني؟ ولا من نفسك؟" سؤاله خبط على مكان حساس. هي لا تعرف… ربما من كليهما. "مش عايزة ألاقي نفسي تايهة، وأنا مش عارفة حتى إحنا فين." يوسف اقترب قليلًا، وبنظراته لمس مكانًا خفيًا في قلبها. "بس لو ماحاولتيش، هتفضلي تايهة لوحدك." قالها كأنه يعرض عليها يدًا، لا حبًا فقط، بل مخرجًا. رُقيّة شعرت بكلماته تلفها مثل بطانية دافئة في شتاء طويل، لكنها ترددت. الاقتراب معناه أنها ستضعف… وربما، تخسر. "يمكن. بس لو قربنا، وطلعنا ماينفعش؟ هنرجع إزاي؟" "اللي بيقرب من حد بصدق، عمره ما بيرجع زي ما كان." وساد الصمت من جديد. هي لم تكن تعرف إن كان ذلك وعدًا… أم تحذيرًا. نظرت له نظرة طويلة، لا تشبه تلك التي تُلقى عادة، بل تلك التي تسبق اعترافًا. ثم قالت بهدوء: "أنا مش متأكدة، بس قلبي مش قادر يمنع نفسه." يوسف لم يتكلم. لكنه ابتسم ابتسامة خفيفة، كأنها فتحت شقًا في جدار الصمت. وفي تلك اللحظة، لم يكونا مجرد شاب وفتاة يجلسان في حديقة. كانا روحين مترددتين، تحاولان الوصول لبعضهما بخطوة، وربما بلمسة. لكن ما بينهما لم يكن يحتاج أكثر من نظرة… لتُقال أشياء كثيرة، دون أن تُقال.