أعشقك حتى في جنوني - الفصل الثاني - بقلم شهد جباب - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: أعشقك حتى في جنوني
المؤلف / الكاتب: شهد جباب
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثاني

الفصل الثاني

مرت الأيام ببطء، لكن رُقيّة أصبحت لا تستطيع التخلي عن هذه اللحظات القصيرة التي تقضيها مع يوسف. كانت الحديقة مكانها المفضل، وكان يوسف يظهر فجأة في الوقت نفسه كل يوم تقريبًا، يتبع خطواته المعتادة، وتكتشف معه جزءًا جديدًا من شخصيته. في اليوم الذي قررت فيه أن تتحدث معه أكثر، لم تكن الحديقة كما كانت في الأيام السابقة. كان الجو هادئًا للغاية، والأشجار تتمايل في النسيم الخفيف. كان يوسف جالسًا على المقعد الذي اعتادت أن تجلس عليه، يحدق في السماء وكأنّه يرى شيئًا بعيدًا. اقتربت منه بخطوات خفيفة، ولكنها توقفت عندما سمعته يتحدث بصوت منخفض، وكأنّه يحاول الحديث إلى نفسه. "أنا مش زي الناس... ولا زي ما هم شايفينني." التفت إليها فجأة، كأنّه يشعر بحركتها خلفه. كانت عيناه غارقتين في الحزن، وكأنّه لا يريد أن يراه أحد. "كنت بقول لنفسي... إني مش هتكلم مع حد تاني. بس لما شفتك، حسّيت إنكِ مش زي الباقي." تساءلت رُقيّة في نفسها: هل هي فرصة للاقتراب منه أكثر؟ "أنا مش عايزك تفتكري إنّي غريب... لأن ده مش حقيقي. أنا بس... في حاجات مش ممكن تفسريها." قالها وهو يحاول أن يبتسم، لكن ابتسامته كانت مشوهة قليلاً. جلست بجواره على المقعد، وبدأت تلاحظ كم هو مُرهق. كان يعاني من شيء أكبر من مجرد الوحدة. "مش لازم تفتح قلبك لو مش حابب. بس لو عايز، أنا هنا عشان أسمعك." قالتها بلطف، محاولة أن تُشعره بالأمان. أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال في صوت منخفض: "أنا... كنت في علاقة زمان. كنت بحب واحدة، جامد، لدرجة إنّي... نسيت نفسي فيها." رُقيّة حاولت أن تُبقي نفسها هادئة، لكن قلبها كان ينبض بشدة، كأنّها تشعر أن اعترافه كان بداية شيء أكبر من مجرد كلام. "وأنت ليه مش معاها دلوقتي؟" سألتها بصوت شبه مرتبك. نظر إليها بصدق، وعينيه مليئة بالتشوش: "لأنها كانت... مش زي ما كنت متوقع. كنت ضايف ليها حياتي كلها، لدرجة إنّها خلّتني مريض. بعد ما انتهت العلاقة، حسّيت إنّي مش هقدر أعيش من غيرها. كنت ضايع، وقلبي في حالة فوضى." ارتبكت رُقيّة قليلاً، ولكنها تمسكت بصمتها. كانت تشعر وكأنّه يحاول فتح جروح قديمة، شيء كان يتمنى أن يظل بعيدًا عن الأنظار. "كانت بتحبني، بس مش زي ما أنا كنت محتاج. كنت فاكر إنّها بتكون معي من غير ما أطلب. ولما كل حاجة انهارت، حسّيت إنّي مش هقدر أوقف تاني." جلس يوسف صامتًا للحظة، ينظر إلى الأرض وكأنّ الكلمات قد أخذت منه كل شيء. "ومن ساعتها، أنا مش قادر أصدق في حد تاني. مش قادر أحب من غير ما أكون... خايف إنّي هكون الضعيف اللي يتخلى عنه أي حد." ثم نظر إليها فجأة، وكأنّه لأول مرة يرى عينيها عن قرب. "ومش عايزك تشفقي ، أنا مش عايزكِ تَحسي إنّي بحاجة لرحمة. أنا بس... مش قادر أوقف الألم." رُقيّة كانت تشعر بالحيرة، كلمات يوسف كانت ثقيلة على قلبها. ولكن في نفس الوقت، كان هنالك شيء ما في عينيه، شيء لم يكن من السهل تجاهله. لم تستطع أن تظل ساكنة، فهي لم تقترب منه لمجرد الاستماع، بل أرادت أن تكون جزءًا من شفائه، على الرغم من أن هذه الفكرة كانت مخيفة. "أنا مش هخليك لوحدك في الحكاية دي. يمكن أنت مش عايز حد يساعدك، لكن أنا مش هسيبك في عز الألم ده." قالتها بهدوء، رغم أنها كانت في حاجة إلى هذه الكلمات أيضًا، لأنها لم تكن تعرف كيف يمكنها أن تساعده. يوسف أغمض عينيه لبعض الوقت، ثم فتحهما ببطء، كأنّ الكلمات قد أغرقته في بحر من الذكريات. "أنا... مش قادر أقول لك أكتر من كده." رُقيّة لم تجب، بل فقط جلست بجواره، صامتة، ولكن قلبها كان يدق بسرعة، كأنّها تجلس على حافة شيء عميق.