أعشقك حتى في جنوني - الفصل الأول - بقلم شهد جباب - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: أعشقك حتى في جنوني
المؤلف / الكاتب: شهد جباب
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الأول

الفصل الأول

كانت الحديقة، التي اعتادت "رُقيّة" على زيارتها كل يوم تقريبًا، تشهد تلاشي آخر خيوط الضوء من الشمس التي كانت تكاد تغيب خلف الأشجار العالية. الجلوس على المقعد الخشبي في الزاوية الهادئة، مع كتابها المفضل بين يديها، كان هو وفيق دربها، تتلذذ بحروفه الراقية. لكن في هذا اليوم، كان هنالك شيء مختلف. كانت هناك حركة غير مألوفة عند الطرف البعيد من الحديقة. "مين ده؟" همست لنفسها وهي تشاهد شخصًا يمرّ عبر الممر المظلم بالقرب من الأشجار. كان يمشي بسرعة، ونظراته شاردة كأنّه يبحث عن شيء ضاع منه. تجاهلت الفضول في البداية، لكنها سرعان ما شعرت بحاجة شديدة لمعرفة المزيد عن هذا الشخص. مرّت دقائق، ثم ظهر من جديد، لكنه هذه المرة كان يقترب من المقعد الذي تجلس عليه. لوهلة، شعرت برغبة في النهوض والمغادرة، لكن شيئًا ما أبقاها في مكانها. ربما هو الفضول... أو ربما هي تلك الحيرة في عينيه، التي كانت تتأمل كل شيء إلا ما أمامه. اقترب منها قليلًا، ثم توقف فجأة. "إنتِ قعدة لوحدك هنا؟" قالها بصوت خافت، لكنه كان مشوشًا. فجأة، شعرت بالغرابة. لم تتوقع أن يتحدث معها أحد، خصوصًا بهذا الشكل. لكنها ابتسمت بلطف وقالت: "آه، لوحدي. ومش مهتمة بمين بيعدّي." "لما يكون الواحد لوحده، ساعات بيحس إنّه... مش موجود." كانت الكلمات الثقيلة تخرج منه بلا ترتيب، وكأن عقله يسبق لسانه. بدا أنه يرددها وهو غارق في أفكاره. "وإنت؟ ليه مش في مكان تاني؟" ردت رُقيّة، وقد بدا عليها الفضول. "لأن المكان ده فاضي... بس فيه أشياء كثيرة. وكل حاجة هنا ليها معنى... حتى المكان نفسه." قال ذلك وهو ينظر إلى السماء وكأنّه يراها لأول مرة. كانت رُقيّة تراقبه بصمت. شعره المبعثر، ونظراته الشاردة، جعلتها تشعر وكأنّها ترى جزءًا من نفسه في تلك اللحظة. لكن، لم تستطع أن تفسر ما الذي دفعه للحديث معها. "أنت مش من هنا، صح؟" سألته وهي تحاول أن تكسر الصمت الذي تواجد بينهما. ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم أجاب: "ممكن. وممكن لأ. مين يعرف؟" كان يرفع رأسه أحيانًا نحو السماء، وكأنّه يتحدث مع شخص آخر غيرها. كانت كلماتها تتساقط في قلبه بلا جدوى، لكنه كان في نفس الوقت، يشعر وكأنّها جزء من شيء أكبر، ربما جزء من الصورة التي كان يبحث عنها. ثم، بصوت خافت، قال: "أنتِ ليه مش خايفة؟ الناس هنا بيقولوا عني مجنون." فوجئت، ولكنها حاولت أن تخفي ذلك: "مجنون؟ ليه؟ لأنك مش زيهم؟" أجاب وهو يلتفت إليها أخيرًا: "أيوه، يمكن. الناس دايمًا بتخاف من اللي مش زيهم. أنا... مش زيهم." ثم أضاف بلطف، وكأنّه يروي سرًا: "أنا مش حاسس بحاجة تانية غير... الضياع." لم ترد في البداية. كأن الكلمات وقفت في حلقها، وهي تحاول فهمه. ثم قالت بهدوء: "مفيش حاجة في الدنيا ممكن تضيّعك... لو لقيت حد يطبطب عليك شوية." نظر إليها للحظة طويلة، ثم قال بصوت منخفض: "ممكن... لكن ما حدش يقدر يطبطب على واحد زيّي." نظرت له رُقيّة، وكان هنالك شيء في عينيه، خليط من الألم والضياع، جعلها تقترب أكثر، دون أن تجرؤ على لمس قلبه. كان هو الذي يهرب من كل شيء، بينما كانت هي الوحيدة التي لا تستطيع الهروب منه. ثم، على غير عادتها، قالت له: "ممكن تبقى لينا صحبة؟ مش لازم تبقى لوحدك... حتى لو حاسس إنك مش زيّهم." هزّ رأسه ببطء، وأجاب: "يمكن." لكنّ الكلمات الأخيرة كانت تُلقي بظلالها، وكأنّهما قد بدآ رحلة طويلة، ربما معًا... وربما في فوضاه التي لا تهدأ.