الفصل الخامس: الكتاب المهترئ
أنا كتابٌ قديم، غلاف جلديٌّ باهت، وصفحاتي مائلة للصفرة. كنت يومًا ما هدية، حين كانت الكتب تُهدى بدلاً من الهواتف، وحين كان القلب يجد في الورق ما لا يجده في البشر.
لا أعرف اسمي الأصلي، لقد تلاشت الحروف من الغلاف، لكنّي كنت روايةً، فيها حبٌّ، وفقد، ووعدٌ لم يُوفَ. وضعتُ على رفّ مكتبة في غرفةٍ صغيرةٍ دافئة، بين كتب كثيرة، لكنّني كنتُ الوحيد الذي حُمل مرارًا، وتسرّبت إليه الدموع.
كانت هي من تفتحني كل ليلة، تلك الفتاة ذات الشعر المتناثر والعينين المرهقتين. لا تقرأني بصوتٍ عالٍ، بل تنقل بعينيها سطرًا سطرًا وكأنها تُخيط جرحًا داخليًّا بحروف الغير. لكنّ ما جعلني مختلفًا… لم يكن فقط من قرأني، بل ما كُتب فيّ.
بين الصفحات، بقلمٍ خافتٍ مائل، كانت هناك ملاحظات بخط يدها. حروف قصيرة، كأنها رسائل لم تُرسل:
“هذا يشبهني.”
“لو كان يعلم كم انتظرت.”
“أنا لست البطلة، لكنني أتألم مثلها.”
وكلما قلبَت الصفحة، كان حبرها يُبلل أطرافها. كنتُ مأواها، وكنتُ انعكاسًا لألمها الصامت. حتى جاء يومٌ، تركتني على السرير وغادرت… ولم تعد.
بعدها، سكن رجلٌ آخر الغرفة. رآني بالصدفة، فتحني، فوجد تلك الكلمات. قرأها جميعًا، ثم أغمض الكتاب بهدوء وقال:
"كان يمكن أن أنقذك… لو قرأتك مبكرًا."
أنا الكتاب المهترئ، لم تُكتب نهايتي، لكنها تعيش بين السطور.