الفصل الرابع: النافذة القديمة
أنا النافذة الحجرية ذات الزجاج المغبر، أستنشق الهواء الخارج من شقوق الجدار منذ مئات السنين. وضعتُ في قصرٍ صغير على أطراف المدينة، حيث كانت الطبقات تُعادي بعضُها، والحب محكومٌ بالسلاسل الصامتة.
شهدتُ أول لقاء لهما في ليلة مقمرة. جاءا خفية، هي من بيت الأغنياء، هو من الفقراء. تقفز خطواتهما كنبضِ قلبٍ مكتوم، يلوح النور الخافت خلفهما، وصوت خفقات أحلامهما يخترق حنجرتي.
أراه يهمس في أذنها كلماتٍ قصيرة:
“أحبك بين الحاضر والممنوع.”
ويردُّ عليها بابتسامة خافتة كوميض بريقٍ خلف الغيوم.
تكرر اللقاء كانصهار للزمن، كل ليلة تُفتح فيهاُ فتحتيّ الصغيرة بخفة، تلامس أطرافهما النسيم. ولم أكن أنحني سوى لأرى تعابير وجهيهما تتغير: الشوق، الخوف، الأمل.
وفي إحدى الليالي، مرّ المفتش الحكومي وأغمض مقامه أمامي كأنه لا يعلّق وزنًا لتلك الوجوه. رأى أثر أقدام في التراب أسفل الجدار، ثم اختفى. بعدها بثلاثة أيام، لم يأتِ هو ولا حبيبه.
لم تترك هي أي أثر سوى وشاحٍ أبيض علقته بقفا النافذة. يرفرف الآن تحت صمتي، يتلوّى مع خصلة هواء، كأنه يهمس:
“اشتاق إليه.”
لم يعد أحدٌ يطرق جبيني الزجاجي، ولا تهمس الأصابع على حافتي الحديدية. أنا النافذة القديمة، أحفظ كلمات الحب المنسية، وأحنّ إلى تلك الليالي التي غرست فيها ذكرى لا تُمحى.