الفصل الثاني: الكرسي الهزّاز
أنا الكرسي الهزّاز، العتيق بصريره الخافت، المتكئ في ركن الصالة بجانب النافذة التي لا تُفتح. وُضعت هناك منذ عقود، يوم قرر الجد أن يُهديني للراحة بعد سنواتٍ من الخدمة في شرفته القديمة.
لم أكن كرسيًا فقط، كنت عرشًا لرجلٍ حمل الحكايا في صوته، وكان كل مساء يجلس عليّ، يُحركني ذهابًا وإيابًا، كأنّ الزمن يسير تحت قدميه.
الجد كان يحب الصمت، لكنه يكلّمني كثيرًا. لا بالكلمات، بل بنبضات ظهره، بارتجافة ساقيه، بنظرة طويلة نحو الغروب.
كان يهمس أحيانًا:
"أنت الوحيد الذي لم تخذلني، يا صديقي الهزّاز."
فأميل إلى الأمام قليلًا، كأنني أقول: "أنا هنا."
ذات ليلة شتوية، جلس وهو يحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا، فتحه على مهل، أخرج منه صورًا بالية. امرأة شابة، طفل رضيع، ورجل لم أره من قبل. قلب الصور ببطء، ثم توقف، وشهق كما لو أن قلبه سقط فجأة.
أحسست بظهره يثقل عليّ. لم يتكلم. فقط وضع الصور في حضنه، وأغلق عينيه. بقيت أتمايل تحته في صمت، حتى هدأ جسده.
في الصباح، جاءت حفيدته. كانت تبحث عنه. اقتربت مني، رأت الصور، رأت ملامحه الهادئة. لم تبكِ، فقط جلست في حضني كما كان يفعل، وراحت تهتز، تهتز، حتى سمعتُ صدرها يتشقق بالبكاء.
منذ تلك الليلة، لا أحد جلس عليّ. أحيانًا أتحرك وحدي حين يعصف الهواء، أو ربما... حين يمر طيفه بي لثوانٍ.
أنا الكرسي الهزّاز، أحمل وزن من جلس، ومن ذهب، ومن لم يعد.