٦.زهرة تحت الركام
على بُعد أميال من البلدة التي سجنت فيها روبي أحلامها، كانت هناك مدينة تطلّ على البحر، هادئة، أنيقة، لا تشبه شيئاً من ذلك الماضي الذي اختنقت فيه الروح.
في أحد الأحياء الراقية، داخل بيت دافئ تفوح منه رائحة الزهور والشاي الساخن، جلست امرأة في منتصف العمر أمام نافذة واسعة، تراقب البحر وهو يعانق الأفق.
كانت ترتدي ثوباً بسيطاً أنيقاً، وشعرها مرسَل بعناية، ووجهها – رغم تجاعيد الزمن – يشعّ سكينة.
اسمها: سُعاد.
لكنها كانت تُعرف هنا باسم آخر… "ليلى".
امرأة صنعت لنفسها حياة جديدة، بعد أن مزّقها الماضي، وهربت منه ذات ليلٍ عاصف، تاركة وراءها قلبها الصغير… ابنتها، روبي.
لم يمرّ يوم دون أن تتذكرها.
كانت الذكرى تؤلمها، تحرقها من الداخل، لكن الخوف كان دائماً أقوى…
خافت أن تعود فيقتلها، أو يقتلها ويقتل ابنتها معها.
لكن الحياة كانت كريمة معها بعد الهرب.
عملت كمُدرّسة، ثم في دار للنشر، وتزوجت لاحقًا رجلاً طيب القلب، لم يسألها كثيرًا عن ماضيها، بل أحبّها كما هي.
أنجبت منه طفلاً صغيراً، عمره الآن سبع سنوات، يملأ البيت بالضحك والحركة.
ورغم كل هذا، كان هناك فراغ لا يملأه شيء.
جلست ذلك الصباح تقرأ في دفتر قديم كانت تخفيه في خزانتها، مليء برسائل كتبتها لروبي لكنها لم ترسلها قط.
"هل ما زلتِ على قيد الحياة يا صغيرتي؟ هل أصبحتِ شابة الآن؟ هل سامحتِني؟"
همست بصوت مبحوح، ودمعة انحدرت على وجنتها.
رفعت عينيها إلى البحر مرة أخرى، ولم تكن تعلم… أن القدر بدأ يتحرّك ليجمع ما فرّقته السنين.
---