حين التقينا أخيرًا
.
---
الفصل الرابع: حين التقينا أخيرًا
يوم الجمعة.
كانت يمنى تمشي ببطء، كأن الطريق أطول من المعتاد، وكل خطوة تردد.
وصلت إلى المقهى قبل الموعد بدقائق، وقفت خلف زجاج النافذة تتأمل الداخل…
كانت الطاولة الأولى بجوار النافذة مشغولة…
وكان يجلس عليها هو.
عيناه كانتا كما تتذكر، فيهما دفء وغموض، وكان يحدّق في فنجانه بصمت.
دخلت.
لم يرفع رأسه في البداية.
اقتربت، جلست أمامه، وقالت بخفوت:
"ظننتك لن تأتي."
رفع رأسه ببطء، وابتسم… ابتسامة خفيفة، حقيقية.
"وكنتُ أخشى أن لا تأتي أنتِ."
صمت.
ثم قالت:
"كنت أراك… لكني لم أعرف من تكون."
قال:
"ولم أكن أريدك أن تعرفي، ليس خوفًا… بل لأني أردت أن تُحبيني أولًا من خلال الكلمات. أن نلتقي في المعنى، لا في الشكل."
نظرت إليه مطولًا، ثم سألته:
"ومَن كانت الفتاة؟"
ضحك بلطف وقال:
"أختي الصغيرة، كانت تسألني إن كنت أكتب عن فتاة حقيقية، ولم أجبها."
تنفّست يمنى بعمق، كأن قلبها كان معلقًا منذ أسابيع وها هو يعود لمكانه.
قال:
"هل تعرفين لماذا اخترت أن أكتب لك دون أن أتكلم؟"
أجابت:
"لأنك تخاف؟"
قال:
"بل لأنني لا أريد أن تكون علاقتنا مثل كل شيء آخر في هذا الزمن… سريعة، سطحية، زائلة."
ابتسمت، وأخرجت من حقيبتها أول ورقة كتبها لها… مطوية بعناية.
"كنت أعلم أنك لست عابرًا."
ومنذ ذلك اليوم، لم تعُد تكتب له في الكتب…
لأن الحروف صارت تُقال بصوتٍ، والعيون صارت تُجيب دون حاجة للورق.
لم تكن قصة حبّ عادية،
بل كانت حكاية بدأت بصمت، وكُتبت بصدق، وانتهت… حين أشرقت عيناك.