اللقاء الأول
ليلا، على اطراف مملكة النسيم....
تشق جيسيكا طريقها عبر الغابة، برد خفيف يلفح وجهها، عيناها مليئتان بالاصرار، ودماء الملكية تسري في عروقها رغم خوفها. نجحت في الهروب من القصر دون أن يشعر بها أحد. كانت تحمل معها فقط حقيبة صغيرة وصورة قديمة وجدتها لجاك وهو طفل.
بعد رحلة شاقة، تصل أخيرا الى بوابة الشركة الكبيرة.... تلك التي امتلأ الصحف بأخبار نجاحها.
تحاول الدخول، لكن حراس الأمن وبعض العملاء يمنعونها من التقدم أكثر.
العامل:
"المعذرة آنسة، لا يُسمح بالدخول دون موعد مسبق."
تحاول التوسل، ولكنهم لا يستجيبون.... حتى ظهر سام شقيق جاك بالتبني ومساعده الوفي الذي يثق به.
سام:
"ما الأمر هنا؟"
جيسيكا(بسرعة وهي تلهث):
"احتاج إلى مقابلة المدير.... الأمر عاجل، أرجوك"
يرفع سام حاجبه، ينظر إليها بتفحص، ثم يضع يده في جيبيه مترددا.
سام:
"ومن تكونين؟"
جيسيكا:
"لن يفهم أحد، أقسم انني لا أريد الأذى. فقط.... فقط أخبره أن فتاة تحتاج إلى مقابلته في أمر يخص ماضيه."
يظل سام صامتا للحظات، ثم يمئ للحراس أن يتركوها.
سام:
"انتظري هنا."
يصعد سام الى الطابق العلوي، يمشي في الممرات الواسعة مليئة بالتكنولوجيا الحديثة، حتى الى مكتب أنيق، على بابه لوحة كتب عليها: جاك ألتمير—المدير التنفيذي. "
يفتح الباب بهدوء، يجد جاك جالسا على كرسيه الفخم، مستديرا نحو النافذة الكبيرة، أمامه بعض الأوراق، وضوء المدينة يعكس ظله الطويل.
سام:
"جاك.... هناك فتاة في الأسفل، تقول أن لديها أمرا طارئا يتعلق بك."
يبقى جاك صامتا للحظة، ثم يرد دون ان يلتفت
جاك:
"من تكون؟"
سام:
"لا أعلم.... لم ارها من قبل. لكنها بدت جادة جدا.... ومرتبكة."
يسحب جاك نفسا عميقا، يدير كرسيه ببطء ليواجه سام. عيناه المختلفتان تلمعان تحت ضوء المكتب،وجهه هادئ لكن يحمل شيئا غريبا من الفضول.
جاك:
"حسنا ادخلها. لكن لديها عشر دقائق فقط لتتكلم."
تومئ سام وينسحب بهدوء.
تظهر جيسيكا في الممر، قلبها يخفق بقوة، تتبع سام حتى تقف أمام مكتب. تتردد لحظة، ثم يفتح الباب وتدخل.
عيناها تلتقيان بأخ لم تعرفه قط.... لكنها لطالما شعرت بوجوده في قلبها.
تقف جيسيكا في منتصف الغرفة، تشعر بثقل نظرات جاك وهو يحدق بها من خلف مكتبه، الجو صامت، لا يُسمع فيه الا صوت عقارب ساعة الحائط.
جاك(بنبرة حادة):
"اجلسي..... وابدئي الحديث، معكي عشر دقائق فقط."
تجلس جيسيكا ببطء، تُخرج من جيبها صورة قديمة وتضعها على الطاولة أمامه، لكن جاك لا ينظر اليخا بعد.
جيسيكا(بصوت متردد):
"أعلم أن ما سأقوله سيبدو مجنونا.... لكن، هل.... هل تذكر أي شيء عن طفولتك؟"
يرفع حاجبه قليلا، ثم يقول ببرود.
جاك:
"طفولتي؟ موضوع قديم.... وغير مهم."
جيسيكا(باصرار):
"أنت.... لست يتيما كا تظن. أمك لا تزال على قيد الحياة. وأنا.... أنا أختك."
يردش جاك ببطء، ثم يضحك ساخرة وهو ينهض من كرسيه ويمشي بهدوء قرب النافذة.
جاك:
"رائع.... واحدة أخرى، دائما هناك من يظن أنه من العائلة."
جيسيكا:
"أنا لا أكذب! لقد سمعت الحقيقة من أمي بنفسها، لقد أعطتك لحارس كي ينقذك من أبي.... لقد كنت رضيعا، ولو لم تفعل ذلك... لكنت ميتا الآن."
جاك يتوقف، يقبض يده قليلا، لكن صوته لايزال متماسكا.
جاك:
"ولماذا أصدقك؟ فقط لأنك ظهرت فجأة بصورة وادّعاء؟"
تنهض جيسيكا وتقترب منه، ثم تقول بانفعال:
"لأنك تحمل نفس العيون! عينيك لأحد أن يخطئها! وأمي كانت تعرف أنك حي منذ أن رأتك على التلفاز.... لكنها لم تستطع قول شيء.... أبي كاد أن يقتلها!"
يلتفت اليها ببطء، نظراته ليست غضبا.... بل صدمة هادئة، كأنه يسمع شيئا لطالما انتظره دون أن يعرف.
جاك(بهمس):
"... أمك... كانت تبكي في فيديو قديم... نفس التي تظهر في أحد ذكرياتي القليلة..."
يسقط حاجز الصمت بينهما لحظة، ثم يقول جاك بصوت أخف:
"إن كنت صادقة.... لماذا أتيت الآن؟"
جيسيكا(تدمع عيناها):
"لأنك.... أخي. وأمي بحاجة إليك. لأنك تستحق أن تعرف الحقيقة... وتقرر بنفسك إن كنت ستسامحها أم لا."
يصمت جاك، ينظر نحو النافذة من جديد، والعاصفة في داخله بدأت تشتعل.
جاك لايزال واقفا قرب النافذة، صامت، بينما جيسيكا تمسح دمعتها وتراقبه بتوتر....
جاك(بصوت منخفض دون أن يلتفت):
"إذهبي الآن سأفكر فيما قلته.... وسأتخذ قراري لاحقا."
جيسيكا(بهمس متردد):
"شكرا لمنحي هذه الفرصة.... أخي."
تدير ظهرها وتبدأ بالخروج ببطء.... وفجأة يفتح باب المكتب دون طرق.
مارتا(تدخل وهي تبتسم):
"جاك أخيرا خلصت اجتماعك؟ عندي أخبار—"
تتوقف فجأة تلاحظ الفتاة الغريبة وهي تهم بالخروج، نظرتها تنتقل بين جاك وجيسيكا باستغراب.
مارتا(بتعجب):
"من هذه؟"
تتجمد جيسيكا في مكانها، تتوتر ملامحها لكنها تحاول أن تبتسم مجاملة.
جيسيكا:
"أنا.... مجرد زائرة."
جاك يلتفت أخيرا، ينظر لمارتا ثم يقول بهدوء ولكن عينيه فيهما اضطراب واضح.
جاك:
"عندنا موضوع عائلي مفاجئ.... مازلت أبحث عن الحقيقة."
تلاحظ مارتا أن شيئا غير طبيعي يحدث... تقترب ببطء من جاك وتهمس:
"هل كل شيء بخير؟ وجهك.... يبدو كأنك رأيت شبحا."
جاك:
"أحيانا، أحيانا الماضي لا يموت..... يعود من حيث لا تتوقعه."
مارتا(بتوتر):
"جاك.... ماذا حصل؟ من كانت تلك؟"
جاك يتنهد، يتجه نحو المكتب، يلتقط الصورة التي تركتها جيسيكا.... يتأملها قليلا ثم يقول:
"لو قلت لك.... أنني ربما لدي أخت حقيقية.... وأن أمي لم تكن ميتة كما قيل لي.... هل ستصدقينني؟"
مارتا تفتح عينيها بدهشة، تهمس:
".... جاك، أنت تخيفني الآن...."
جاك(بنبرة هادئة لكنها مشوشة):
"وأنا..... خائف من الحقيقة أكثر."