من أنا؟ - الفصل 11 - بقلم soundos guerra | روايتك

اسم الرواية: من أنا؟
المؤلف / الكاتب: soundos guerra
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 11

الفصل 11

كالعادة... أبدأ بسرد جزء جديد من قصتي، وفصل جديد، لكن هذه المرة، ببعض التغييرات الكبيرة. فاليوم... صباحٌ جديد. نهضتُ من سريري بإرادتي، لآخر مرة ربما. لأبدأ يومي الجديد... وأودّع أفضل الأيام بالنسبة لي — وبالنسبة لأمثالي الذين يجدون في العزلة راحةً أكثر من الجموع. **اليوم... آخر يوم من عطلتي الصيفية.** ستبدأ الدراسة غدًا. المعاناة. الاختلاط القسري. الأصوات العالية والوجوه الجديدة والكتب التي تشتمك بصمت. مدرسة جديدة، طبعًا. ومنزل جديد. وحياة جديدة... وربما، جنونٌ أكثر ترتيبًا. مشيت إلى المطبخ مثل محكوم عليه بالإعدام يطلب فطوره الأخير. وهو كان هناك، كالعادة. دارفينت. في مكانه الرئيسي... كأن المطبخ صُمم حوله، لا العكس. دخلتُ وأنا أحاول رسم التفاؤل على وجهي، كمن يعلّق ستارة وردية على نافذة تطل على مقبرة: "صباح الخير، دافي." لم يلتفت. فقط أكمل صبّ القهوة كما لو كان يصب دماء القديسين في طقوس الكنيسة. "صباح الخير، إيما." رفعت حاجبيّ. "ما بك؟ كأن قدومي أفسد لك مذهبك الفلسفي الصباحي؟" قال بدون أن يرفع عينيه، بنفس نبرة من اكتشف لتوه أن جهاز الميكروويف أذكى من جميع من حوله: "لا أبداً. ليس هناك شيء." جلستُ على الطاولة، وضعت ذقني على راحتيّ، وقلت: "حسنًا، سأصدقك. لأن الشك يتطلب طاقة... وأنا أحتفظ بها ليومي الدراسي الأول غدًا." نظر إلي أخيرًا، تلك النظرة التي تقول: *"هل سأجدك تتكلمين مع الثلاجة قريبًا؟"* قلت بابتسامة نصف متفائلة، نصف نائمة: "هل أنت مستعد للمدرسة؟" "آع، لا تذكريني..." ردّها كأنني ألقيت عليه لعنة فرعونية. ضحكتُ. "واضح أنك مستاء. لا أعلم من كان يمضي أيامه ممسكًا بأغرب الكتب التي يمكن لإنسان طبيعي أن يراها في حياته." رفع حاجبًا. "وهل لديك مشكلة في ذلك؟" أمسكتُ الضحكة بين أسناني كأنها سر حرب. "لا أبدًا... طالما لم تبدأ في التحدث مع الكتب." أخذ رشفة قهوة وكأنه يتمنى أن تنقله مباشرةً إلى بُعدٍ آخر، ثم قال: "بالمناسبة، المدرسة الجديدة بعيدة. استعدي للنهوض مبكرًا." زفرتُ. "هل أبدو كمن تستعد؟ أنا بالكاد أستوعب أن اسمي ما يزال إيما، وليس... مَن أنا." رفع نظره مرة أخرى، هذه المرة بشيء من القلق الصامت. "لا تبدأي. لا نريد أن نعيد سلسلة الرعب على الفطور." قلت وأنا أتناول قطعة خبز: "اطمئن، إيان نائم. أو في إجازة ذهنية. أو يراقب من الخلفية مثل منتج فيلم وثائقي عن الجنون." "هذا... لا يبعث على الطمأنينة." رد وهو ينظر نحو النافذة، وكأن أي شيء خارج هذا المنزل أهون مما بداخله. أردت قول شيء لطيف. شيء إنساني. لكن كل ما خرج مني كان: "دارفينت، إن أسوأ ما في المدرسة الجديدة ليس الناس، ولا الكتب، ولا حتى المرحاض المشترك... بل الاضطرار لتمثيل دور الفتاة العادية من جديد." "أوه، تمثيلك جيد." قالها وهو ينهض ويحمل كوبه، ثم أضاف بابتسامة ساخرة: "جيد بما يكفي لخداع الحمقى... لكنني لست أحدهم." نظرت إليه. كان يمشي خارج المطبخ... ثم توقف فجأة. "إيما..." "نعم؟" "إذا احتجتِ للحديث... في أي وقت. عن أي شيء. حتى لو كان عن إيان، أو أبوك، أو... نفسك الحقيقية." توقف، ثم أضاف: "فقط قولي. لا تكوني وحدك." ارتجفت يدي قليلاً، لكنني قلت بنبرة خفيفة: "سأفكر في الأمر... بعد أول يوم دراسي. إذا بقي شيء من عقلي لأفكر به." ** غدًا... ستبدأ الرحلة الجديدة. لكن الليلة؟ سأنام وأنا أعلم شيئًا واحدًا: **إذا كانت المدرسة ساحة حرب... فأنا لم أعد جندية بلا سلاح. بل جندية بجنرال داخلي... اسمه أيان. __________________ ليلة ما قبل المدرسة... تلك اللحظة التي يفترض أن تكون مقدسة، مريحة، هادئة... بالنسبة لأناس طبيعيين. أما بالنسبة لي، فكانت مثل ليلة محاكمة ساحرة. جلستُ على سريري، أحدق في الحقيبة المدرسية كما لو كانت تابوتًا أحمله غدًا إلى المجهول. "هل تفكرين في الهروب؟" سألني الصوت. إيان. بصوته الذي يبدو كمن يرتشف النبيذ فوق رماد مدينة محترقة. "لا، فقط أفكر في مدى قدرتي على التظاهر بأن كل شيء طبيعي، دون أن أُطرد من أول حصة لأنني حدّقت في الحائط أكثر من اللازم." ضحك. ضحكة هادئة، ساخرة، كما يفعل دائمًا. "إيما... أنتِ لا تنتمين هناك. تعلمين هذا." "أعلم. لكنني ذاهبة رغم ذلك. كأي بطلة مأساوية، تحاول النجاة وسط جمهور من الشخصيات الثانوية." قمتُ من السرير. وقفتُ أمام المرآة. وجهي... يبدو طبيعيًا، إن تجاهلت النظرة الفارغة في عيني، والبقعة الغريبة خلفي التي لا تظهر إلا عند نظرة سريعة... "أخبريني، ما اسمها هذه المرة؟ زميلتك المزعجة؟ معلم الرياضيات؟ المدير الكئيب؟" سأل إيان، كأنه يُعدني لمسلسل جديد من الفوضى. "لا أعلم. لكنني متأكدة من أن أحدهم سيحاول التقرب مني... وسيندم." فتحت خزانتي. نظرتُ إلى ملابسي، وقررت أن أرتدي أبسط شيء يمكن ألا يثير الريبة. ولكن، وكالعادة، حتى أبسط ملابسي يصرخ: *هذه الفتاة تقرأ كتبًا ممنوعة وتتحدث إلى الفراغ.* ** في الصباح التالي... رنّ المنبه كصرخة طفل ضائع في غابة. ضغطت عليه وكأنني أنقذ العالم من نيزك. نهضتُ... أو زحفتُ، لا فرق. في المطبخ، وجدت دارفينت جالسًا، يشرب قهوته كأنه يستعد لحضور جنازتي. "جاهزة؟" سألني دون أن ينظر. "هاه. كأنك تسأل شخصًا إن كان جاهزًا ليُلقى من الطائرة بلا مظلة." نظر إلي أخيرًا. "تذكّري، أنتِ قوية بما يكفي. أعني، من يتحمّل حديث إيان يوميًا، يمكنه احتمال البشر بسهولة." "أتفق." قلتُ وأنا أتناول رشفة قهوة، التي طعمها في هذا الصباح بالذات... يشبه نكهة الحنين إلى اللامعنى. خرجنا معًا، أنا وهو، أنا والهدوء، أنا وكوابيسي، أنا وإيان... أربعة أشخاص في جسد واحد، متجهين إلى المدرسة. وكنت أعرف — لن تكون رحلة عادية. ** في الباص، جلست بجانب النافذة. راقبتُ انعكاسي فيها. كان هناك شيء مختلف. نظرة. ظل. تلميح لابتسامة خفية... أخبرني إيان، بصوت أشبه بالوعد: "هذا المكان الجديد... سيكشف لكِ أشياء. عن نفسك. عنّي. وعن ما أخفيه منذ البداية." سألته بهدوء، كمن يتفاوض مع شيطانه: "هل سأكرهك أكثر... أم أفهمك أخيرًا؟" ردّ: "لم لا يكون كلاهما؟" ** ولأول مرة... شعرتُ أن هذا الفصل من حياتي، قد يكون الأهم. ** وصل الباص إلى المدرسة. التلاميذ نزلوا وكأنهم يُساقون إلى مذبح مقدس… أو حفلة تعارف جماعية على القلق. أما أنا، فقد نزلت بخطوات مترددة. لا لأني خائفة، بل فقط لأنّ حذائي الجديد كان يضغط على كعبي كأنّه ينتقم من كلّ شيء اقترفته حياتي السابقة. المدرسة… ضخمة، أنيقة، نظيفة بطريقة مريبة. بدا المكان وكأنّه خُلق ليُصوّر فيه إعلان لمعجون الأسنان أو حملة توعية ضد الاكتئاب. وهذا ما أخافني. "آه، مؤسف… كنت أفضّل مدرسة فيها شقوق بالجدران، وروح شريرة في القبو." تمتم إيان، وكأنه يختار من كتالوج الرعب. دخلتُ من الباب الرئيسي. وجوه غريبة، نظرات عابرة، وهمسات لم أميزها… كل شيء جديد. والمشكلة ليست في الناس. المشكلة فيّي… وفي الشخص الإضافي الذي يعيش في صدري ويُدير التعليقات. "واو، كم واحد هنا يبدو طبيعيًا؟" سألني إيان بصوت خافت في داخلي. "جميعهم، للأسف." أجبته. وفجأة... **"أوه، أنتِ الجديدة، صح؟"** التفتُّ. صوت أنثوي. حاد قليلاً، يشبه صوت شخص يظنّ نفسه لطيفًا لكنه قرأ كتابًا واحدًا في حياته وكان عن التسويق الشخصي. كانت فتاة بشعر ذهبي مربوط على شكل ذيل حصان، ترتدي الزي المدرسي كما لو كانت تعرضه في برنامج موضة، وتحمل دفترًا مليئًا بالملصقات. "إيما، صح؟ أنا سابرينا! من لجنة الترحاب!" قالت بابتسامة ضخمة تشبه أقنعة المسرح… تلك التي لا تدري إن كانت فرحة أو على وشك القتل. "لجنة ماذا؟" سألت، وأنا أحاول أن أبدو مهتمة رغم أن رأسي كان يصرخ داخليًا: *اركضي.* "لجنة الترحاب! نستقبل الطلاب الجدد، نرشدهم، نُعرّفهم بالمكان... نُصادقهم!" قالت الأخيرة بحماس أكبر مما يجب. "آه… رائع. ومتى يبدأ الطقوس؟" قلتُ بسخرية، محاولة كسر الثلج… أو تكوين درع. ضحكت، ثم رمشت كثيرًا، كأنها لم تفهم… أو فهمت لكنها ستتجاهلني. "على فكرة، أول حصة لك اليوم مع أستاذ جوردن. رياضيات." "رائع." قلتُ بصوت فارغ. رياضيات... أحببت الرياضيات مرة، ثم كبرتُ وأصبحت أرى فيها مرآة لحياتي: معادلات بلا حلول. ** سرنا معًا في الممر. أنا، وسابرينا، وصوت إيان يتساءل: "تظنين أنها ستصمد؟" "من؟" "أنتِ." "… لا أعلم." لكني كنت أعلم شيئًا واحدًا: هذه المدرسة تخفي شيئًا. وشيئًا بداخلي… بدأ باليقظة. ** دخلت الصفّ مع سابرينا، التي بدت وكأنها مدربة استعراض مهرجاني. الأنظار توجهت نحوي فورًا. بعضها فضولي، بعضها حاد، وبعضها كان ميتًا من الداخل تمامًا مثل روحي. "يا إلهي، فرقة الاستقبال!" همس إيان بسخرية، بينما كنت أنا أتلقى النظرات كأنني مجرمة مطلوبة للعدالة… أو قطعة أثاث جديدة في مكتب المدير. "هذه إيما، الطالبة الجديدة!" أعلنت سابرينا بحماس، ثم نظرت إليّ وقالت همسًا: "ابتسمي! الناس هنا يشمون الخوف." ابتسمت… ابتسامة جافة جدًا، من النوع الذي لا تفعله إلا حين تُسأل: "هل نُكمل الجلسة القادمة الأسبوع القادم؟" بحثت بعيني عن مكان أجلس فيه، حتى أشارت سابرينا إلى مقعد فارغ بجانب شاب يبدو وكأن الحياة طردته منذ سن العاشرة. "هذا ناثان. لا يتكلم كثيرًا، لكنه ودود. نوعًا ما." جلست. ناثان لم ينظر إليّ حتى. كان يحدق في دفتره، يرسم دوائر متداخلة، وكأنّه يستدعي شيئًا من بعدٍ آخر. "هذا يرسم بوابة لجهنم، أراهن." علّق إيان. خلفي كانت فتاة ترتدي نظارات ضخمة، وتكتب في دفتر بسرعة الضوء. "اسمها كلارا. عبقرية، لكنها تكلم نفسها كثيرًا. مثلك تقريبًا." قالت سابرينا قبل أن تلوّح لها. كلارا رمشت مرتين، ثم همست شيئًا للهواء، وواصلت الكتابة. وبجانب الباب، يجلس شاب طويل، يرتدي سماعات ضخمة، يحدق في السقف كأنّه ينتظر سقوطه عليه. "هذا لوك. لا أحد يعرف الكثير عنه. لكنهم يقولون أنه انتقل من مدرسة خاصة… بعد حادثة." قالتها سابرينا كمن يلقي معلومة مخيفة، ثم ابتسمت وكأنها تتكلم عن حفلة شاي. "كلهم غرباء." همستُ لإيان. "أنتِ أيضًا غريبة." ردّ عليّ. ابتسمت هذه المرة بصدق. الغريب لا يُخيف الغريب. بدأ الأستاذ *رينولدز* في شرح الدرس، لكن عقلي كان في مكان آخر. المكان كله بدا مألوفًا بطريقة مرعبة. كأنني كنت هنا من قبل… أو حلمت بهذا الصفّ. "ربما تكرار الحياة مجرد خطأ في النظام." قال إيان. "أو مجرّد أول فصل من الجحيم." نظرت من النافذة. حسناً... أهلًا بمدرستي الجديدة. وأهلًا بكل الأسرار التي تخبئها بين جدرانها النظيفة.