الفصل الثالث
انعكاسات في المرآة
كانت يسرى تجلس قبالة الرجل الغامض في "مكتبة الظلال". الكتب القديمة من حولها بدت وكأنها تحرس أسرارًا لا يعلمها أحد. الضوء الخافت للثريات القديمة جعل عينيه تبدوان أكثر عمقًا… وأكثر خوفًا.
يسرى: "أريد أن أفهم كل شيء… من هي ليلى؟ ولماذا أنا؟"
الرجل: "اسمك ليس غريبًا عن هذه القصة… لأنك لستِ بعيدة عنها كما تظنين. ليلى بن يوسف… كانت ابنة عمك."
تجمدت يسرى في مكانها. كل خلية في جسدها ارتجفت.
يسرى: "ماذا؟! مستحيل… لم يخبرني أحد عن هذا من قبل."
الرجل: "لأن عائلتك أرادت نسيانها. كانوا يظنون أن ما حدث لها يجب أن يُدفن إلى الأبد. لكنها تركت لكِ شيئًا… شيئًا لا يُمكنهم محوه."
سحب الرجل من جيبه صندوقًا صغيرًا. فتحه، فظهر عقد قديم عليه نقش عربي: "من يرى الحقيقة، لا يهرب."
يسرى: (وهي تلمس العقد) "هذا... رأيت هذا من قبل. في حلم. رأيت ليلى ترتديه!"
الرجل: "ليس حلمًا، بل ذاكرة. هذا العقد كان يحمل أسرارًا، وصوتها. ليلى كانت على وشك كشف منظمة سرية تعمل تحت غطاء جامعات نيويورك، منظمة تتاجر بالبشر تحت ستار المنح الدراسية."
يسرى: "أ... أنت تقول إن ما حدث لها لم يكن اختفاءً عاديا؟"
الرجل: "بل اغتيال مدبّر. ولكن جسدها لم يُعثر عليه. وهناك احتمال أنها ما تزال على قيد الحياة… في مكان ما."
سكت قليلاً، ثم أردف بصوت متهدج:
الرجل: "كانت تكتب يوميات. وتسجيلات. خبأتها في مكان ما هنا في نيويورك. ومهمتك… أن تجديها."
يسرى: "لكن لماذا أنا؟ لم أعرفها حتى!"
الرجل: "الدم لا ينسى. ولديك الجرأة التي امتلكتها ليلى. وقد بدأت بالفعل… ذلك الظرف الذي وصلك لم يُرسل لأي أحد".
في اليوم التالي
يسرى تقف في نفق تحت أحد مباني الجامعة القديمة، بناءً على إحداثيات أعطاها لها الرجل. كانت تشعر بخوف غير مسبوق. الضوء خافت، والرطوبة تملأ الجو، وهدير الأنابيب فوقها يضخم كل حركة.
دخلت غرفة ضيقة في نهاية النفق. لم تكن تتوقع ما رأت.
على الجدران، صور… لعشرات الطالبات العربيات المفقودات.
وفي الزاوية، خزانة حديدية مفتوحة جزئيًا. دخلت يدها وسحبت دفتراً مغبرًا.
صوت خلفها: "كنت أعلم أنك ستجدينه."
التفتت فجأة… رجل في الأربعين، يلبس بدلة أنيقة، يقف عند الباب.
يسرى: "من أنت؟"
الرجل: "اسمي الدكتور فريد. كنت أستاذًا لليلى… وأنا من سلمها."
يسرى: "أنت… ماذا؟! أنت السبب؟"
فريد: "لقد كانت مزعجة… كانت تظن أن الحقيقة تستحق أن تُكشف، حتى لو مات الأبرياء. أخبرتها أن اللعب بالنار خطير، لكنها أصرّت."
يسرى (غاضبة): "أين هي؟ هل هي حية؟"
فريد: "هذا ما ستكتشفينه بنفسك… لكن انتبهي، هناك من يراقبك الآن. وهناك من لا يريدك أن تصلي للفصل الأخير."
ثم خطى ببطء نحو الباب، وقال قبل أن يختفي:
فريد: "ستعلمين أن ما كنتِ تبحثين عنه… يبحث عنك منذ زمن."
خرجت يسرى تحمل اليوميات والشك ينهش عقلها. كانت ترتجف، ولكنها لم تتراجع. في سكنها، جلست وبدأت تقرأ الدفتر.
أول سطر كتبته ليلى:
"إلى من تقرأ هذه الكلمات، إن وصلت إليها، فاعلم أني قد دفعت حياتي ثمنًا للحقيقة... والآن جاء دورك."