الفصل الثاني
البحث في الظلال
بعد أسبوعين من وصول يسرى إلى نيويورك، لم تنجح في التخلص من شعور التوتر الذي يلاحقها. كانت الرسالة التي تلقتها في ذلك المساء الغامض تلتهم ذهنها بشكل يومي، ومع كل خطوة كانت تتخذها في المدينة، كان يراودها نفس السؤال: من هي ليلى بن يوسف؟ ولماذا شعرت وكأنها مرتبطة بتلك الصورة القديمة؟
في يوم مشمس، قررت يسرى أخيرًا أن تتوجه إلى الحي الذي وجدت فيه الصورة. كانت خطواتها ثقيلة، ولكنها لم تكن تستطيع التراجع الآن. كانت بحاجة إلى معرفة الحقيقة. كانت تتجول في شوارع المدينة، وفكرها لا يتوقف عن العودة إلى تلك اللحظة الغريبة في غرفتها، حين وجدت الصورة على بابها.
بينما كانت تمشي في شارع هادئ يحيط به العديد من المقاهي الصغيرة، لاحظت مكتبة قديمة على الزاوية. كانت الأرفف مليئة بالكتب القديمة، والشبابيك الصغيرة التي بالكاد تدخلها ضوء الشمس جعلت المكان يبدو كالعالم الآخر.
فجأة، توقفت يسرى في مكانها. كانت عينها قد وقعت على رجل مسن يقف في ركن المكتبة، يقرأ كتابًا قديمًا. كان يبدو وكأنه شخص يملك معلومات قيمة، شخصٌ قد يجيب على أسئلتها. ترددت قليلاً، ثم قررت الاقتراب منه.
يسرى: "عذرًا، هل يمكنك مساعدتي؟"
نظر الرجل إليها ببطء، ثم رفع عينيه عن الكتاب. كانت عيناه عميقتين، وكأنهما مرآة لذكريات بعيدة.
الرجل: "بالطبع. ماذا تبحثين؟"
يسرى: "أبحث عن معلومات عن شخص يُدعى ليلى بن يوسف. هل سمعت بها من قبل؟"
الرجل: (مقشعرًا) "ليلى بن يوسف؟! من أين جئتِ بهذا الاسم؟"
يسرى: "وجدت صورتها في مكان غريب. أعتقد أنها اختفت منذ سنوات، ولكن لا أعرف لماذا أنا مرتبطة بها."
الرجل: (صمت طويل، ثم همس) "ليلى كانت جزءًا من قصة كبيرة في هذه المدينة. اختفت بطريقة غريبة، ولم يُعرف عنها شيء بعد ذلك. إذا كنتِ حقًا تبحثين عن الحقيقة، عليكِ أن تكوني مستعدة لما قد تجديه. هذه القصة أكبر مما تتصورين."
يسرى: "ماذا تعني؟ هل هناك شيء أخفي عني؟"
الرجل: "ليلى بن يوسف كانت طالبة مثلك، جاءت إلى نيويورك في نفس الوقت الذي دخلت فيه، ولكنها اختفت فجأة، وكأن الأرض ابتلعتها. منذ اختفائها، بدأنا نسمع عن أشياء غريبة. رسائل غامضة، وأشخاص يبحثون عن شيء ما. ولكن لا أحد يعرف لماذا اختفت. والآن، إذا كانت رسالتك تشير إلى شيء، فذلك يعني أنك على مشارف اكتشاف شيء قد يغير كل شيء."
يسرى: (قلقة) "كيف يمكنني أن أبدأ في البحث؟"
الرجل: (بابتسامة غامضة) "أنتِ في المكان الصحيح. اسألي عن مكتبة 'الظلال'. هناك ستجدين الإجابة."
ثم أغلق الرجل الكتاب وأشار إليها بأن تخرج، قبل أن يختفي بين رفوف المكتبة.
خارج المكتبة، كانت يسرى تشعر وكأن قلبها يخفق بسرعة أكبر من المعتاد. مكتبة الظلال؟ أين يمكن أن تجدها؟ ولماذا لم تسمع عنها من قبل؟
قررت أنها لن تتوقف هنا. كان عليها أن تجد تلك المكتبة مهما كان الثمن. أثناء تفكيرها، رن هاتفها. كان رقم غير مسجل على شاشتها، ولكنها ردت.
يسرى: "ألو؟"
الصوت على الطرف الآخر: "أنتِ يسرى، أليس كذلك؟"
يسرى: (تفاجأت) "نعم، من المتصل؟"
الصوت: "أنا لا أستطيع أن أخبرك بكل شيء الآن، ولكن إذا كنتِ جادة في معرفة من هي ليلى بن يوسف، فعليكِ أن تكوني حذرة. لا تذهبي إلى مكتبة الظلال دون أن تكوني مستعدة لما سيأتي."
ثم أغلق الهاتف دون أن ينتظر جوابًا.
يسرى شعرت بأنها في حلم، أو ربما في كابوس. كلما حاولت أن تقترب من الحقيقة، زادت الغموض حولها. قررت أن لا تترك هذا الأمر هكذا. يجب أن تكتشف الحقيقة، مهما كانت خطيرة.
أثناء عودتها إلى غرفتها في السكن الجامعي، كانت خطواتها متسارعة. في داخلها شعرت بأنها على وشك الانتهاء من جزء من اللغز، ولكن كان شيء آخر يحيرها أكثر. الصورة كانت جزءًا صغيرًا، وكان صوت الرجل في المكتبة يتردد في ذهنها.
يسرى: "مكتبة الظلال... ماذا يعني ذلك؟ ولماذا أشعر وكأنني أعيش في حلم طويل؟"
في اليوم التالي
يسرى قررت أن تذهب إلى مكتبة الظلال. كان في ذهنها فكرة واحدة: إن كانت تلك المكتبة هي المكان الذي ستجد فيه الإجابة، فلن تدع أي شيء يوقفها.
وجدت نفسها تتجه إلى حي قديم في المدينة، حيث المنازل ذات الطراز العتيق والشوارع المظلمة حتى في وضح النهار. كانت تشعر بالقلق، لكنها مضت قدمًا، وكأن شيئًا غير مرئي يقودها إلى هناك.
وصلت أخيرًا إلى مدخل مكتبة قديمة جدًا، كان الباب مفتوحًا قليلاً كما لو كان ينتظرها. دخلت، وكان الهواء البارد يلف المكان. المكتبة كانت خالية من الزوار، وصوت خطواتها كان يملأ المكان. بين رفوف الكتب، لم تجد سوى شخص واحد يراقبها عن كثب: الرجل الذي قابلته في المكتبة القديمة. كان جالسًا في الزاوية، يراقبها بصمت.
الرجل: "أعتقد أنك الآن جاهزة للمعرفة".