أرض الغريب - الفصل الأول - بقلم شهد جباب - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: أرض الغريب
المؤلف / الكاتب: شهد جباب
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الأول

الفصل الأول

رسالة من الظل يسرى كانت جالسة على حافة سريرها في غرفة السكن الجامعي، عيناها تراقبان المدينة التي لا تعرفها، ولا تعرف حتى كيف تتعامل معها. نيويورك، المدينة التي حلمت بها طوال سنوات، أصبحت الآن مجرد مكان يشعرها بالوحدة أكثر من أي وقت مضى. كانت تتمنى لو أنها تستطيع أن تلتقط أنفاسها بعيدًا عن الازدحام، ولكن هنا، كل شيء كان يركض بلا توقف. مرت ثلاثة أسابيع منذ أن وصلت إلى هنا، لكنها شعرت وكأنها سنوات. لم يكن الأمر سهلاً عليها، تلك الفتاة التي اعتادت أن تكون محط اهتمام في بلدها الجزائر، ولكنها الآن، في هذا المكان البعيد، أصبحت مجرد نقطة في بحر لا ينتهي. كان الأجانب يمرون من جانبها وكأنها غير موجودة، في حين كانت هي تتنفس ببطء، وتحاول أن تفهم نفسها وسط هذا الزحام. في كل صباح، كانت تذهب إلى الجامعة، تحضر المحاضرات، تتناول الطعام في الكافتيريا، ولكن شيئًا ما كان ينقصها. لم تكن تلك هي الحياة التي تخيلتها. كانت تفتقد صوت أمها، تلك الكلمات الحنونة التي كانت تقولها دائمًا: "المدينة كبيرة، ولكن لا تفقدي نفسك فيها". تذكر صوتها وكأنها كانت تهمس في أذنيها من وراء المحيط. لكن شيئًا غريبًا حدث في يوم من الأيام. بينما كانت تجلس في غرفتها المظلمة في منتصف الليل، يحاصرها التفكير في كل شيء: هل كان قرارها بالقدوم إلى هنا صحيحًا؟ هل يمكنها حقًا أن تنجح وسط هذه الفوضى؟ رفعت رأسها فجأة عندما رأت الضوء الأخضر على جهاز الكمبيوتر المحمول. كان هناك بريد إلكتروني جديد. فتحت الرسالة بسرعة، وقرأت العنوان الذي جعل قلبها يقفز: "لقد كنت هنا قبلك... وأنا الآن لست موجودة." من كان يرسل لها هذا؟ وما معنى هذا العنوان الغريب؟ لم يكن هناك اسم المرسل، فقط عنوان غامض، وعندما فتحت الرسالة، كانت تحتوي على كلمات قليلة: "لن تكوني قادرة على الهروب من الماضي، مهما حاولت. لقد تركت جزءًا منك هنا، وسيعود إليك." انقبض قلب يسرى. شعرت بشيء غريب، كما لو أن هناك من يراقبها. هل كانت تلك رسالة من شخص تعرفه؟ أم أن أحدهم كان يعبث معها؟ لم يكن هناك شيء في الرسالة يشير إلى هوية المرسل. وكلما قرأت الكلمات، كلما أصبحت أكثر حيرة. أغلقت جهاز الكمبيوتر بسرعة، ولكن شعورًا غريبًا استمر في قلبها. إنها تعرف أنها بحاجة لمعرفة المزيد. يجب أن تجد من أرسل هذه الرسالة. هل كانت مجرد مزحة؟ أم أن هناك شيئًا عميقًا وراء هذه الكلمات؟ في اليوم التالي، وبينما كانت تتجول في مكتبة الجامعة، عثر نظرها على مقال قديم، مكتوب بخط صغير في زاوية الصفحة. كان يتحدث عن "مفقودين في نيويورك"، لكن لم يكن هناك أي تفاصيل تُوضح الأمر. فقط اسم واحد لفت انتباهها: ليلى بن يوسف. "ليلى بن يوسف؟" همست يسرى لنفسها. لا بد أن هذا هو اسم من أرسل لها الرسالة. ولكن من هي؟ ولماذا تظهر فجأة في حياتها؟ بدأت يسرى في البحث، وكلما استرسلت في البحث عن ليلى بن يوسف، اكتشفت أن اسمها كان مرتبطًا بأحداث غريبة في تاريخ المدينة. اختفت ليلى منذ سنوات، ولكن لم يُعثر لها على أثر. شعرت يسرى وكأنها كانت تقف على حافة اكتشاف سر قديم، ومع كل خطوة، أصبح غموض هذا الأمر أكثر تعقيدًا. في مساء نفس اليوم، بينما كانت عائدة إلى غرفتها، سمعت ضوضاء غريبة في الممر. وقفت لحظة، وسرعان ما عاد قلبها ليدق بشكل أسرع. تقدمت بحذر نحو الباب، وعندما فتحته، لم تجد شيئًا سوى الظلام. لكن ما لفت انتباهها هو شيء غريب: كانت هناك صورة صغيرة ملقاة على الأرض أمام باب غرفتها. اقتربت منها بحذر، وعندما رفعتها، كان قلبها يكاد يتوقف. كانت صورة قديمة، تظهر فتاة صغيرة تشبهها تمامًا، ولكن في مكان لا تتذكره أبدًا. كانت الصورة ملقاة في مكان غير معروف بالنسبة لها، في مكان قديم داخل المدينة. من الذي أخذ هذه الصورة؟ وكيف وصلت إلى هنا؟ "كيف؟" همست يسرى وهي تشعر بأن العالم كله أصبح يدور حولها. الرسالة كانت أكثر من مجرد كلمات غامضة. كانت بمثابة دعوة لاستكشاف شيء غامض، شيء ربما يربطها بماضي لا تعرفه. وبدأت تشعر أن رحلتها في نيويورك ستكون أكثر من مجرد دراسة في الخارج. إنها رحلة للبحث عن ذاتها، عن سر قديم، عن ليلى بن يوسف، وعن الماضي الذي يرفض أن يتركها.