خادمة الجبار - الفصل الرابع - بقلم شهد جباب - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: خادمة الجبار
المؤلف / الكاتب: شهد جباب
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الرابع

الفصل الرابع

بين القسوة والحنان مرّت الأيام ثقيلة على ليلى، وجاءت لحظات من الصمت العميق بينهما، لحظات لا يعرف فيها أحد كيف تَسير الأمور، ولا كيف يبدأ كل منهما في فهم الآخر. كان محمد في البداية مجرد سيد قاسي في عينيها، عيون تتساءل عن سر قسوته، لم تعرف كيف تتعامل مع شخصيته المتناقضة. في البداية، لم يكن لدى ليلى أي أمل في تغيير مواقفه أو تحوّل مشاعره تجاهها. ولكن، شيئًا فشيئًا، بدأت ترى فيه شيءً غير الذي عرفته في أول لقاءاتهما. كان أحيانًا يلمحها بنظرات طويلة، تلك النظرات التي كانت تتركها في حيرة وقلق، وتحثها على التفكير في كل كلمة، كل لحظة. كانت تعلم أن وراء هذه النظرات كان ثمة شيء يعيشه، شيء يحاول إخفاءه عن الجميع. وفي أحد الأيام، بعد العمل الشاق في الحديقة خلف المنزل، كانت ليلى قد انتهت من تنظيف الحديقة بينما كان محمد يراقبها عن بُعد. كانت يداها مغطاة بالتربة من كثرة عملها، وثوبها البسيط مُتسخ بعد يوم طويل من التعب. وعندما كانت على وشك المغادرة إلى الداخل، اقترب منها فجأة، ولكن هذه المرة لم يكن هناك غضب في عينيه كما كان في السابق. "ليلى، هل يمكنك أن تاتي إلى هنا لحظة؟" قالها بنبرة جادة لكن ناعمة. نظرت ليلى إليه بخوف، فاجأها لونه الهادئ الذي بدأ يلوح في عينيه. كانت تعرف أنه يوجه إليها الأمر بشكل غير مباشر، لكنها كانت على استعداد لإرضائه. "نعم، سيدي، ماذا تريد؟" قالت ليلى وهي ترفع رأسها بحذر. لم يرد مباشرة على سؤالها. اقترب منها خطوة إضافية، ثم أمسك بيدها بحركة مفاجئة. فجأة، وجدت نفسها في قبضته، لم تعد قادرة على الحركة، قلبها ينبض بشكل غير طبيعي. "أنتِ تعبتِ كثيرًا، أليس كذلك؟" قال ذلك بلهجة هادئة غير معتادة، وعينيه تلمعان بشيء من التفهم. ليلى لم تجب، بل شعرت برغبة عارمة في الهروب من قبضته، لكنها كانت مشلولة في مكانها. منذ تلك اللحظة، بدأ الصمت بينهما يسود. كان محمد في صراع داخلي، لم يكن يعرف كيف يبدأ في التغيير، أو حتى كيف يفهم هذا الشعور الذي ينمو بداخله. كان يلاحظ مدى إصرارها في عملها ومثابرتها، وكان قلبه يتألم لها، رغم قسوته الظاهرة. لكن ليلى، التي كانت تراقب تعبيرات وجهه، بدأت تدرك شيئًا غريبًا. كان هناك شيء ما في نبرته، شيء أشبه بالندم. وكأن الوقت قد حان ليخرج من قوقعته. وفي تلك اللحظة، قام محمد برفع يده برفق وأمسك بذقنها، وابتسم بخفة لأول مرة. "ليلى، أعتقد أنني أخطأت في كثير من الأحيان معك، وأنا آسف... أنتِ لا تستحقين المعاملة بهذه الطريقة." كانت الكلمات في البداية بعيدة عن تصديق ليلى، كيف يمكن لهذا الرجل القاسي أن يتحدث هكذا؟ كيف يمكن أن يكون هذا هو محمد الذي لطالما عاشت معه في خوف وصمت؟ لكنها في تلك اللحظة كانت تشعر بشيء جديد، شيء غير مألوف. سكتت ليلى لبعض الوقت، ثم قالت بصوت خافت: "لماذا تغيرت هكذا؟ لماذا تصرفت معي بهذه الطريقة من البداية؟" ابتسم محمد بلطف، "لا أستطيع أن أخبرك بما يدور في داخلي، لكنني أعلم أنني كنت قاسيًا جدًا معك. لم أدرك مشاعرك. لم أكن أرى الحقيقة." ثم أضاف بنبرة جادة: "أريد أن أكون أفضل من هذا." في تلك اللحظة، توقفت ليلى عن التفكير في كل شيء آخر. كانت عيون محمد مليئة بشيء جديد، شيء لا يستطيع أن يصفه بالكلمات. كانت تلك اللحظة بداية تحول كبير في حياته وحياة ليلى معًا. كان هناك شيء آخر ينبض في قلبه، شيء بدأ ينمو ببطء. ولكن فجأة، ومن دون أن يدرك ما الذي دفعه، اقترب منها أكثر، ليجد نفسه في مواجهةٍ مع قلبه. فجأة، كانت بين ذراعيه. وشعرت بشفتيه تلامسان شفتها، كان التقبيل بمثابة طوفان من العواطف التي تجتاح جسديهما في لحظة واحدة. كان الشعور غريبًا، فبينما كانت ليلى قد التزمت بالصمت في البداية، وجدت نفسها تُغلق عينيها وتستجيب لذلك القرب العاطفي غير المتوقع. ابتعد عنها محمد بعدها، وعيناه مليئة بالدهشة، كما لو أنه اكتشف شيئًا لم يكن يعرفه في نفسه. وكان قلبه ينبض بسرعة شديدة، بينما كانت ليلى تقف مذهولة، غير قادرة على تصديق ما حدث لتوّها. "أعتقد أنني لم أكن أعرف الحب حتى الآن، ليلى." قال محمد وهو يبتعد عنها خطوة، "ولكنني الآن، بدأت أفهمه."