الفصل 9
كانت الساعة تشير إلى الثامنة صباحًا حين قررت إيما أنها لن تنهض. لم تكن نائمة، لكنها كانت مستلقية ببطولة درامية تستحق جائزة "أسوأ ممثلة في دور الضحية غير المهتمة". التحديق بالسقف أصبح هوايتها الرسمية، إلى أن قاطعها صوت داخلي مألوف:
"هل تفكرين في النهوض؟ أم أن السقف صار أكثر إثارة مني؟"
تنهدت. "أتمنى لو كنتَ شبحًا وأستطيع طردك ببخور رخيص."
"لكننا تجاوزنا مرحلة البخور يا عزيزتي... نحن في علاقة."
"علاقة؟! أنت سرطان عصبي، لا شريك حياة."
لم يكن الخوف كما في السابق. الآن، هي تعرفه. تعرف توقيت ظهوره، تعليقاته اللاذعة، طريقته في العبث بأفكارها، وأهم من كل ذلك... تعرف أنه لا ينوي الرحيل. على الأقل، ليس دون دراما تليق بنهاية موسم.
**
في المطبخ، كانت رائحة القهوة تملأ الجو كالمعتاد. دارفينت كان هناك، يراقب الساعة أكثر مما يراقب فنجانه. حين دخلت إيما، بشعر مبعثر ونظرة "لا أريد شيئًا من الحياة"، رفع حاجبه.
قال بتهكم خفيف: "أوه، النجمة استيقظت. هل كنتِ تحلمين بي أم بكابوسك المفضل؟"
ردت: "بكابوسي المفضل، طبعًا. أنت لا تملك هذا الشرف بعد."
ضحك، لكنها لاحظت أنه لم يترك ملاحظته. لا زال يراقب، يحلّل، يربط الخيوط. لكنها لم تعد تهتم كثيرًا. الآن، لديها مشروع آخر... أن تُخضع هذا الشيء داخلها، وتجعله يعترف بكل شيء، حتى لو اضطرت إلى محاورته يوميًا كأنها مقدّمة برنامج صباحي.
**
في غرفتها، جلست أمام المرآة، تنظر في عينيها. "نحن بحاجة إلى التفاهم، أنت وأنا. اسمع، أنا لا أحبك، وأنت بالتأكيد لا تحبني، لكننا عالقان معًا. على الأقل، احترم دماغي."
"إن كنتِ تريدين اسمي، فقط اسألي. مللت من لقب 'الشيء'."
رفعت حاجبيها. "حقًا؟! لديك اسم؟ ولم تخبرني طوال هذا الوقت؟"
"كنت أنتظر اللحظة المناسبة. لكنك لستِ جيدة في اللحظات المناسبة."
"قل لي فقط إنك اسمي البديل من أيام مراهقتي وسأقفز من النافذة."
"لا. اسمي..."
لكنها قاطعته. "لا. لا أريده الآن. سأجعلك تتوسل لأخبر الناس بك."
في الخارج، كان دارفينت يقرأ كتابًا بعنوان “الانفصام التحولي وحالات التقمّص الهوي المتقدم” – كتاب لا يبدو مغريًا إلا إن كنت تعيش مع شخص قد يكون اثنين في جسد واحد، أو شبحًا بامتياز مزدوج.
سمع وقع خطوات إيما خلفه، فرفع نظره وقال بنبرة متعمّدة: "هل أنتِ إيما… أم إيما؟"
تجاهلته وجلست مقابله. "إن كنتَ تبحث عن لحظة كشف سينمائية، فخذها مني مباشرة: نعم، أتكلم مع نفسي. أحيانًا نختلف، أحيانًا نتفق، أحيانًا نخطط لقتلك… لكن لم نصل إلى قرار بعد."
دارفينت لم يضحك، ولم يعبس. كان يدرسها كما يفعل الطبيب مع عيّنة نادرة. "أعرف أنك تمرّين بشيء... لكنني لا أعرف ما هو. وكلما اقتربت أكثر، شعرت أنني أقف عند حافة شيء ضخم... وعميق... ومجنون تمامًا."
"مرحبًا بك في رأسي، تفضّل بفنجان هلوسة؟"
تبادلا نظرة. لم يكن بينهما حب، ولا كراهية. فقط ذلك الرباط المربك بين من شهدوا على جريمة ولم يعرفوا من القاتل.
**
في الليلة التالية، جلست إيما على سريرها تمسك مفكرة. كتبت بخط متوتر:
*"هل يعقل أني بدأت أتقبّل هذا الشيء؟ أنه لم يعد وحشًا بل… شريك غريب في عقلي؟ هل أنا في علاقة ثلاثية؟ هل أحتاج لمحامٍ نفسي؟ أم أنني بدأت أستمتع...؟"*
ضحك الصوت في داخلها. *"عزيزتي، أنتِ في علاقة أكثر تعقيدًا من زواج ملكي."*
"أريد أن أفهم من أنت. ماذا تفعل هنا؟ لماذا أنا؟"
*"وأنا أريد أن أعرف… لماذا لم تصرخي اليوم عندما شعرتِ بوجودي؟"*
"لأنني تعبت من الخوف. وأنت… لن ترحل، أليس كذلك؟"
*"ربما. وربما حين تعرفين اسمي، تتغيّر الأمور."*
ابتسمت إيما بسخرية، وهي تهمس: "هل سأقع في حبك أيضًا؟ أقسم إن فعلت، سأقتلك وأنا أبتسم."
**
في الغد، كانت إيما أكثر هدوءًا. مريبة، بنظر دارفينت. لكنه قرر التوقف عن السؤال. الآن، كان يدرك أن ما يحدث ليس فقط “أزمة هوية”، بل شيء أغرب.
كتب في مفكرته:
*"إيما تتغير. لكنها لم تعد خائفة. هناك شخص ثالث في قصتنا… وقد بدأت أكره كم يبدو مرحًا."*
**
تنفست إيما بعمق وأسندت ظهرها إلى الجدار، قبل أن تهمس بصوت منخفض، كأنها تستدعيه: "حسنًا... فلنعد إلى الحديث. قلت إن لك اسمًا، أليس كذلك؟"
*نعم.. هل تحمّستِ لمعرفته؟*
*لا. ليس إلى ذلك الحد... ما أود معرفته هو قصتك. أعني... كيف انتهى بك الأمر في جسمي؟! ولماذا؟!*
ضحك باستهزاء وقال: *لن يسعدكِ معرفة ذلك... أمتأكدة من رغبتك؟*
*نعم... أخبرني، من فضلك.*
*حسنًا... أتتذكرين يوم كنتِ غاضبة لأنك ظننتِ أنه ليس لكِ مكان في قلب أبيك؟*
*أوه، يوم أخبرني عن ضرورة ذهابي للعيش مع السيد مايكل؟ نعم، أذكر.*
*هاها، وقتها ألم أخبرك أن لكِ مكانًا في عقل أبيك، لكن أصغر من نصف ظفرك؟ وأنه يحبك بطريقته الخاصة؟ بل إنكِ، في نظره، مجرد غلطة؟ ألم تشعري بالفضول لسبب قولي ذلك؟*
*صحيح، لقد شعرت بالفضول، لكن ليس إلى ذلك الحد... لكن، لماذا؟!*
*حسنًا... لا أظن أنك ستفهمين هكذا... سأحكي لكِ كل شيء من البداية.*
*تبدأ القصة قبل نحو 14 سنة...*
قاطعته: *يبدو أنك ستحكي لنا "قصة ما قبل النوم" في الصباح.*
*أحم، أتسمحين لي أن أكمل؟... أم تودين التوقف؟*
*لا... لا، أكمل رجاءً. سأصمت.*
*كما قلت، تبدأ القصة منذ نحو 14 سنة، أي قبل أن تولدي بقليل، حين كانت أمك حاملًا بك... أو بنا.*
*قاطعتْه: ما الذي تقصده بـ(بنا)؟*
*دعيني أكمل، ستفهمين فيما بعد.*
*كانت فترة حمل أمك بك صعبة جدًّا، حيث كانت مريضة طوال الوقت، إلى جانب التعب من الحياة اليومية. زارت العديد من الأطباء، وقد أكّدوا جميعًا أن الجنين سليم. لكن... ذات مرة، زارت طبيبًا سمعت أنه طبيب معجزة – من يدخل إليه مريضًا، يخرج سليمًا.*
*بعد أن قام بالفحص، نظر إليها الطبيب بابتسامة خفيفة وقال: "مبروك يا سيدتي، لديك فتاتان توأمان جميلتان."*
*استغربت أمك وقالت: "كيف؟ هذا مستحيل..."*
*أجاب الطبيب: "لا شيء غريب يا سيدتي، فهذه حالة طبيعية."*
*فقالت: "لكن الأطباء أكدوا أن احتمالية الحمل بتوأمين مستحيلة للمرة الثانية، بسبب حالتي الصحية. لقد حملت بتوأم من قبل، وعانيت كثيرًا."*
*رد الطبيب: "لا تقلقي، سيعيشان بإذن الله."*
*لكن في الزيارة التالية، وبعد الفحص، بدا الطبيب مرتبكًا وقال: "هذا أغرب شيء رأيته في حياتي!"*
*قالت أمك: "ماذا تقصد؟"*
*قال: "لم يمضِ سوى أسبوع على زيارتك السابقة، والآن يبدو أن أحد الجنينين ميت... أو بالأحرى، لم تكن فيه روح من الأساس. والغريب أنني أرى الآن صبيًّا، وليس فتاتين!"*
*انفجرت أمك بالبكاء...*
*ولم يكن أمامها إلا القبول بإجهاض الجنين الذي بدا ميتًا. وبعد أسبوع، أجرت العملية، لكنها أثّرت على صحتها. وعندما جاء وقت ولادتك، كانت الولادة صعبة جدًّا بسبب آثار الإجهاض.*
*لكن تمت الولادة. وعاشت معك خمس سنوات... ثم ماتت.*
*ماتت بسبب النزيف الداخلي الذي لم يُكتشف أثناء الإجهاض. ماتت، وقتلت ابنها قبل أن يولد.*
*الروح التي لم تدخل الجسد في وقتها عادت... لكنها وجدت الجسد قد استُخدم... فاضطرت للدخول معك. تلك الروح... كنت أنا.*
قاطعتْه بدهشة: *مهلًا مهلًا... تقصد أنك أخي؟*
*نعم... أنا أخوكِ الذي تم اغتياله قبل أن يرى الحياة.*
لم تجد ما تقوله. اكتفت بالصمت.
*أما بالنسبة لاسمي... فالاسم الذي أرادت أمك أن تُسمّيني به هو "إيان".*
*لكن لدي سؤال: لماذا تقول "أمك"؟ أليست أمك أيضًا؟*
*في الحقيقة... لا أعلم. لا أشعر بالراحة عندما أنادي تلك المرأة بـ"أمي"... فهي التي غدرت بي قبل أن أخرج للحياة.*
*صحيح، ألم تتساءلي لماذا كان والدك يمنعك دائمًا من قول أنك تسمعين صوتًا داخلك؟*
*نعم، تساءلت. لكني أجبت نفسي بأن أبي شخص مريض نفسي وشرير، ولن أستغرب عدم استماعه لي.*
*ألم تتساءلي لماذا قال لك إنك "غلطة"؟*
*لماذا؟*
*لأنه كان يعلم أن روحي بداخلك. كان يعرف أن الجنين الذي أُجهض لم يكن ميتًا.*
*تقصد أنه كان يعلم... ولم يخبرني؟!*
*نعم.*
*ماذا؟! كيف؟! أخبرني!*
*حسنًا، تحدثت كثيرًا. سأذهب الآن.*
*إلى أين؟ فأنت بداخلي!*
*أقصد أني سأنام... مع السلامة.*
*مهلًا، انتظر! أجبني على أسئلتي!*
لكن... لم تتلقَّ جوابًا. لقد ذهب بالفعل. لكنها كانت متأكدة... أنه سيعود.
**
**"ربما كنت أعيش حياتي كلها وأنا أظن أنني مجنونة... لكن الآن، وبعد أن عرفت أن المجنون هو شقيقي، أشعر ببعض الراحة... نوعًا ما."**