ماضٍ لا يغتفر
في ظلال المساء، وعلى سطح بناية مهجورة تُطل على المدينة، وقفت "زوي" تراقب الأفق بعينين جامدتين. لم تكن الرياح الباردة كافية لتبديد نار الذكريات التي اشتعلت في داخلها. كانت تذكره جيدًا… "آيس"، الفتى الوحيد الذي وعدها بشيء صادق في عالم كاذب.
قبل سنوات، كانت "زوي" مجرد فتاة هاربة من ماضٍ مظلم. وُلدت في دار للأيتام السرّي، حيث الأطفال يُدرَّبون ليكونوا أدوات للمنظمة التي تزرعهم لاحقًا في كل مكان. لم تكن تملك خيارًا، ولم تعرف طريقًا آخر غير الطاعة… حتى التقت بـ"آيس".
كان صبيًا غريبًا، خجولًا، يمشي كمن يحمل جبالًا فوق كتفيه. حين قابلته أول مرة، كان يحاول إصلاح جهاز مكسور في ساحة الخردة خلف المدرسة. بدت ملامحه جادة أكثر مما يجب، لكنها رأت فيه صدقًا لم تعهده في أحد. ومع الأيام، تعلّقت به… وكرهت المنظمة أكثر.
لكن القوانين لا ترحم. حين علمت المنظمة بأنها تقترب منه كثيرًا، استُدعيت، وأُجبرت على الاختيار: "إما أن تتركيه، أو تراقبيه لصالحنا."
فاخترت… أن أراقبه، ظاهريًا.
لكن قلبي… بقي معه.
أما "جون"، فقصته أكثر تعقيدًا. وُلد وفي فمه ملعقة من ذهب، لكن ظله كان دائمًا أقل من طموحات والده. لم يكن يكفيه أن يكون وريثًا لعائلة المال والنفوذ… كان يريد أن يكون شيئًا لا يُنسى.
حين قابل "آيس"، رآه ندًّا. في البداية، كان يستمتع بإذلاله، برمي الكلمات القاسية في وجهه، بالتقليل من شأنه أمام الآخرين. لكن حين تجرّأ "آيس" وردّ الصفعة… تغيّر كل شيء.
تحوّل "جون" إلى مهووس. لم يعد خصمًا فحسب، بل أصبح شغفًا مظلمًا في حياته. دخل المنظمة بنفسه، تسلّق المناصب، وطلب عن قصد أن يُرسل في مهمة ضد "آيس". لم يكن يريد السيطرة فقط… بل أراد أن يثبت أن لا أحد يستطيع التفوق عليه، لا حتى ذلك الفتى الذي خرج من بين أنقاض الضعف.
وفي الحاضر، في أعماق المقر، كانت "زوي" تنظر إلى صورتين علّقتهما سريًّا على جدار غرفتها: إحداهما لـ"آيس" حين كان صغيرًا، والأخرى لـ"جون" في أول يوم انضم فيه للمنظمة.
همست لنفسها:
ــ "ماذا لو كنتُ قد اختفيت من حياتهما منذ البداية؟ هل كان كل شيء سيتغيّر؟"
لكنها تعلم الجواب… فبعض الذكريات، حين تُزرع في القلب، لا يمكن اقتلاعها.
وفي مكان آخر، كان "آيس" يحدّق في الآلة التي استعادها للتو، يحاول فهم ما حصل، وما الذي تخبئه له الأيام القادمة.
كان يعلم أن الصراع لم يبدأ بعد…
ولكن الماضي، الآن، لم يعد شيئًا خلفه.
بل أصبح… أمامه.
---
نهاية الفصل الثاني.