من أنا؟ - الفصل 8 - بقلم soundos guerra | روايتك

اسم الرواية: من أنا؟
المؤلف / الكاتب: soundos guerra
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 8

الفصل 8

استيقظت إيما على خيوط شمس خفيفة تسرّبت من بين الستائر، لكنها لم تشعر بدفئها. كان في صدرها شيء ثقيل... كأنها استيقظت من حلم لم ترَه، لكنه ترك أثره كالغبار في الهواء. حدّقت بالسقف للحظات، تحاول تجميع شتات ما تبقّى من ليلتها. *هل نمت؟ أم أنني كنت عالقة هناك معه؟* رفعت جسدها بتثاقل، وجلست على طرف السرير. داخلها كان الصمت... لكن الصمت، بالنسبة لها، لم يكن راحة. الصمت كان يعني أنه يراقب. في الأسفل، كان دارفينت في المطبخ، يعد القهوة كعادته، لكنه في داخله لم يكن كما يبدو. كان عقله في مكان آخر... في عينيها بالأمس، في طريقتها وهي ترد، في ابتسامتها التي جاءت متأخرة، متكلّفة. حين دخلت إيما، تبادل معها نظرة عابرة. قال بلطف: "صباح الخير." أجابت: "صباح الخير، دافي." *مرة أخرى... دافي.* الاسم لم يعُد يحرّكه كما في السابق. صار كأنه سؤال... من الذي يناديني به الآن؟ إيما... أم الأخرى؟ جلسا معًا، القهوة بينهما، حديث خفيف ومجاملات متكرّرة. لكن دارفينت لم يكن يستمع حقًا. كان يراقب التفاصيل. الطريقة التي تشرب بها، كيف تنظر إلى النافذة أكثر مما تنظر إليه، والشرود الذي يسكن صوتها. قال فجأة: "هل تذكرين عندما كنا نلعب في الغابة؟ قبل أن ننتقل من هنا؟" رفعت حاجبيها، وكأنها تحاول التذكّر. "الغابة؟ لا أدري... كان هناك الكثير من اللعب حينها." ابتسم دافي، لكن عقله أضاء إشارة حمراء. *لا تتذكر؟ إيما الحقيقية لم تكن لتنسى تلك الحادثة أبداً...* ** في وقت لاحق، وبينما كانت إيما في غرفتها، بدأت تشعر بشيء يتحرّك داخلها مجددًا. لم يكن صوتًا صريحًا، بل... طيف فكرة، كأن أحدهم يتمدد في أعماقها، يمد أصابعه في دماغها، يهمس لها بأشياء لا تريد سماعها. *"لقد بدأ يشك... دافي الذكي، كما كان دومًا. هل ستخبرينه؟ أم تريدينني أن أفعل؟"* قالت في داخلها، محاولة تجاهل الصوت: "ليس الآن، أرجوك." لكن الصوت لم يهدأ. *"إنه سيعرف، سواء أخبرناه أم لا. السؤال هو... ماذا سيحدث بعد ذلك؟"* ** في الخارج، كان دارفينت يقف عند نهاية الممر، يراقب غرفتها. كان قد بدأ يسجل في مفكرته ملاحظات، عبارات قالتها إيما ولا تشبهها، ردات فعلها، ومقاطع من ذكريات لم تتذكرها. وكتب في نهاية الصفحة: **"هذه ليست مجرد صدمة نفسية. هناك شيء أعمق... وكأنها تنقسم إلى نصفين. أحدهما إيما. والآخر... مجهول."** في المساء، اقترح دارفينت على إيما أن يذهبا سويًا في نزهة قصيرة قرب الغابة، نفس الطريق القديم الذي يعرفه كلاهما منذ الطفولة. لم تكن متحمّسة، لكنها وافقت بصمت، دون نقاش. داخليًا، كان هناك صراع... الصوت الآخر لم يُعلّق بشيء، وهذا ما زاد قلقها. السماء ملبّدة بالغيوم، والهواء بارد قليلًا. مشيا على مهل، ودارفينت ينظر إلى الأرض معظم الوقت، كأنه يختار كلماته بعناية. قال فجأة: "أتذكرين حين ضعتِ هنا مرة؟ كنتِ في السادسة، اختفيت لساعات... وعندما وجدناكِ، قلتِ إنك كنتِ تتبعين صوتًا في الأشجار." توقفت إيما عن السير. نظرت إليه مطولًا، ثم قالت: "لا أذكر ذلك." كانت الكذبة واضحة في نبرتها، لكنها حافظت على وجهٍ جامد. ابتسم هو بخفة، وأكمل: "أظنني تذكرت لأنك قلت لي حينها إن الصوت كان أنثى... لكنها تتحدث وكأنها تعرف كل شيء عنك." كانت تلك اللحظة فاصلة. داخل إيما، تصاعد ذلك الصوت مجددًا، مستفَزًا. *"إنه يتحدّاني... إنه يعلم."* نظرت إيما إلى دارفينت بعينين ضيقتين، لكن ليست بعينيها المعتادتين. شيء ما فيهما تغيّر. النبرة التي خرجت منها كانت أهدأ، أكثر اتزانًا... لكن ليس فيها روح إيما. قالت: "ربما كنتَ تحلم، دارفينت. أو أنك تخلط بيني وبين فتاة أخرى." سكت هو للحظة، ثم قال بنبرة ناعمة لكنها مشحونة: "لا، لم أكن أحلم. ولست أخلط. لكن يبدو أن من أمامي... قد تكون هي من تتقمص شخصية أخرى." ** مرت لحظات من الصمت، سكنت فيها الأشجار، وسُمع خفق جناح بعيد. تقدمت إيما خطوتين نحوه. كانت ابتسامتها هادئة، لكنها لا تحمل دفئًا. قالت بهمس: "أنت تلعب في منطقة خطيرة، دافي." رفع حاجبيه، لم يتراجع. "وأنتِ... تبدين بارعة في هذا النوع من الألعاب." توقف الزمن لحظة. كانت هناك معركة صامتة تدور بين الأعين، بين الأنفاس، بين الكلمات التي لم تُقال. ثم التفتت إيما، وأكملت طريقها: "لن تتأذى... ما دمت لا تقترب أكثر." - في تلك الليلة، كتب دارفينت في دفتره: **"اليوم، لم تكن إيما هي من تحدّثني... أنا واثق. لوهلة، كان هناك ظلّ خلفها... ظلّ من نوع آخر. قد لا أكون مجنونًا. لكنني في طريق الجنون، بإرادتي."** في منتصف الليل، كان دارفينت يقلب دفاتره القديمة، يبحث عن صور أو ملاحظات عن إيما. شيء ما في ذاكرته يؤلمه، وكأنه نسي شيئًا مهمًا لسنوات. فتح إحدى الصفحات، فتساقطت ورقة صغيرة صفراء... كانت عبارة عن رسم قديم، لفتاة ذات عينين واسعتين... لكنها لم تكن إيما تمامًا. همس لنفسه: "من... هذه؟" في نفس اللحظة، فتحت إيما عينيها في غرفتها، دون أن تعرف السبب. كان الهواء باردًا على غير العادة. سمعت صوتًا قريبًا، قريبًا جدًا... لكن ليس من داخلها هذه المرة. بل من تحت سريرها. *"لقد اقترب أكثر من اللازم... والآن، لن نكون وحدنا."* شهقت إيما، نهضت بسرعة، قلبها ينبض بجنون. لكن لم يكن هناك أحد. فقط انعكاس عينيها في المرآة... واحدة رمادية، والأخرى سوداء تمامًا.