من أنا؟ - الفصل 7 - بقلم soundos guerra | روايتك

اسم الرواية: من أنا؟
المؤلف / الكاتب: soundos guerra
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 7

الفصل 7

استيقظتُ على صوت خافت لعصافير خارج النافذة، والضوء الناعم يتسلل من بين الستائر الثقيلة. كان صباحًا هادئًا بشكل يثير الشك… كأن هذا الهدوء ليس سوى قشرة رقيقة تخفي ما هو أعمق. جلستُ على حافة السرير، شعرتُ أنني لم أنم فعليًا… جسدي مستريح، لكن رأسي مثقل وكأن الليل دار معركة بداخلي لم أكن حاضرةً فيها بالكامل. ما زالت كلماته تهمس في ذهني: "اشتقتِ لي؟ لقد تركتُ لكِ الغرفة دافئة…" رفعتُ وجهي نحو النافذة، همست كمن يرد على أحدهم: — أنا لست خائفةً منك. كان الصمت وحده إجابته. طرقات خفيفة على الباب قطعت أفكاري. فتحتُ الباب، وإذا بدارفينت واقفٌ أمامي، يحمل كوبين من القهوة ويبتسم بخفة كعادته. قال مازحًا: — أنتِ على قيد الحياة، هذا مطمئن. ضحكتُ، رغم كل شيء، ثم قلتُ: — صباح الخير، دافي. تجمّد للحظة ثم قال بنبرته المعتادة: — دافي؟ لم تناديني بهذا الاسم منذ… سنوات. نظرتُ إليه وابتسمت دون أن أشرح شيئًا: — ربما بعض الأمور القديمة تستحق العودة. جلسنا معًا في الشرفة المطلة على الغابة. تبادلنا أحاديثٍ خفيفة، لكنني شعرتُ بنظراته تتحوّل إلى مراقبة أكثر منها استماعًا… كأنه يبحث عن سرٍ عميق لا يريد البوح به. ثم قال فجأةً، بنبرة مترجّحة بين القلق والفضول: — إيما… البارحة، حين تحدثنا، شعرتُ للحظة أنني لا أتحدث معكِ. كان صوتكِ، وشكلكِ، لكن… شيئًا غريبًا. كأن هناك من يراقبني من خلال عينيكِ. حاولتُ التملّص من توتري: — أظنكَ تتوهم، ربما من التعب. لكنه لم يبدُ مقتنعًا. في داخلي، كان هناك من يضحك ببرودٍ ساخر: "إنه يقترب أكثر مما يجب. سيعرف… وساعتها لن يبقى." أغمضتُ عينيَّ لوهلةٍ، وشعرتُ بقلبٍ ينبض بعنف. لم أرد التفكير… لا في دافي، ولا في ما قد يكتشفه. لكن السؤال الأساسي ظل يطرق رأسه: "هل الفتاة التي أمامي… هي إيما التي أعرفها؟ أم شخصٌ آخر يرتدي ملامحها؟" نهضتُ مسرعةً من مكاني، قلتُ وأنا أتطلع بعيدًا: — سأذهب لأتجوّل قليلًا… أحتاج هواءً نقيًا. لم يجب؛ اكتفى بمراقبتي بصمتٍ. وشيءٌ ما في ذلك الصمت كان أصدق من أي كلام. سرّعتُ خطواتي لأبتعد عن المكان بأقصى سرعة، واستدرت للحظة لأراه إن كان لا يزال خلفي أم قد غادر المكان… فلمحتُ ملامحه، وابتسامةٌ ماكرة على ثغره لا أعرف معناها. أعادت نظري لطريقي حتى أسودَّ المنظر أمامي، وشعرت بصدمة قوية… لم أستوعب ما حدث. نظرت حولي فإذا بي داخل حفرةٍ ليست بعميقة جدًّا. استطعت الخروج منها بمفردي، ووقفت. لم أُصب بشيءٍ سوى خدوشٍ طفيفة، فمددتُ يدي لأخرج رأسي من تلك الحفرة… فإذا ببالون ماء يصطدم بي فجأة! — أوه حقًّا؟! ما هذا؟! سمعتُ قهقهةً قوية خلفي. استدرتُ، فإذا بدافي يقف مبتسمًا… أوه، مجدّدًا كان هو وراء الأمر. تقدم نحوي وساعدني على الخروج من الحفرة وهو يضحك، وقال: — أخيرًا أظنّني استطعت إخافتك… بفضل مساعدة ماكس لي. أضاف ضاحكًا: — يا له من شعور رائع أن تكون المنتصر. قلت له ساخرةً: — يا لك من أحمق. الا تملك شيئا لتفعلھ لتأتي لإزعاجي؟بل وتلجأ لشريك كذلك.. أجاب بثقةٍ طفيفة: — بلى أملك، فأنا رجلٌ مشغول بالطبع… لكن إزعاجك ممتع بكثير. ضحك ضحكةً ساخرةٍ مثيرة للاشمئزاز، ثم غادر طارقًا في طريقه، تاركًا خلفه ثوبًا ملطّخًا بالطين أثر سقوطي. وقفتُ مكاني وأنا أنفض الطين عن ملابسي بصمتٍ، أراقب ظهره وهو يبتعد دون أن يلتفت. همستُ: — أحمق… لكن لم يكن الغضب وحده من يشتعل بداخلي، بل كان هناك شيءٌ آخر. تلك الضحكة وطريقته في المزاح… كانت مألوفة. مألوفة بطريقة تؤلم. مشيتُ ببطء عائدةً نحو المنزل، وكلُّ خطوة تثقلها الذكريات. كيف كان يناديني "إيما الصغيرة"… وكيف كنتُ أصرخ عليه قائلةً "دافي الأخرق"… همستُ: — دافي… كأن الاسم يحمل دفءً من الماضي وسط ذلك البرد الغريب الذي يسكنني مؤخرًا. في تلك الليلة، جلس دارفينت مع ماكس في الحديقة الخلفية، يتأملان السماء بصمتٍ مشوبٍ بالتفكير. قال ماكس وهو يعبث بطرف حذائه في العشب: — هل لاحظتَ أنها تغيّرت؟ إيما، أعني… لم يَجب دارفينت فورًا. ظلّ يحدّق في النجوم كأنه يبحث عن إجابة بينها، ثم قال أخيرًا بصوته الخافت: — أحيانًا… عندما أتحدث معها، أشعر أنني لا أتحدث إلى إيما. بل إلى شخصٍ آخر تمامًا. كلماتها… نظراتها… حتى ابتسامتها لم تعد كما كانت. سكت قليلًا، ثم أضاف ببطءٍ أكبر: — اليوم، حين ضحكت عليّ بعد المقلب… شعرت بشيء غريب. كأن هناك من يراقبني من خلال عينيها. شيءٌ لا يُرى… لكنه موجود. عُدْتُ إلى غرفتي ببطءٍ، وآثار الطين لا تزال على طرف ثيابي، وأفكاري أثقل من قدميَّ. أغلقتُ الباب خلفي، وأسندت ظهري إليه، ثم أغمضتُ عيني لحظةً. ظننتُ أن الهدوء عاد، وأن ذلك الصوت بداخلية قد نام… لكنني كنت مخطئة. صوتٌ داخلي، ناعمٌ كالهمس، لكنه ينخر في داخلي كالسكين: "هل اشتقتِ لي؟ أم أن دافي سرق اهتمامك مؤقتًا؟" فتحتُ عينيَّ على الفور، تسارعت أنفاسي، يدق قلبي بقوة. قلت بصوت خافتٍ، بالكاد يُسمع: — أرجوك… ليس الآن. ضحكةٌ خافتةٌ، أجشّ من أن تكون بشرية: "لكن الليل يا إيما… هو وقتنا." لكن إيما لم تكن تعلم… أن ابتسامة دارفينت لم تكن مجرد مزحة… وأن أحدًا، في مكانٍ ما خلف تلك الجدران، بدأ يستيقظ معها… ويعدُّ نفسه لليلة القادمة.*