أطفال غزة - الفصل الرابع - بقلم Mina - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: أطفال غزة
المؤلف / الكاتب: Mina
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الرابع

الفصل الرابع

في صباح بارد وكئيب، اجتمع الناس قرب المخيم. حفرة صغيرة حُفرت بصعوبة في الأرض القاسية. وقف سليم أمامها، عيونه منتفخة من البكاء، يحتضن يد أمه التي بالكاد كانت تقف على قدميها. اقترب الشيخ العجوز، رفع يديه نحو السماء وقال بصوت متهدج: ـ "اللهم اغفر له وارحمه... واجعله من الشهداء." بدأ الرجال ينزلون جسد والد سليم إلى القبر... غطى محمود وجهه بيده، والدموع تسيل بصمت. أما آدم، فقد عضّ على شفته حتى لا ينهار بالبكاء. همس سليم، بصوت بالكاد يُسمع: ـ "سامحني يا أبي... لم أودعك كما يجب..." وضعت أم سليم يدها على كتفه وقالت والدموع تملأ عينيها: ـ "هو يعلم أنك تحبه... هو الآن في مكان أفضل." بدأ الجميع برمي التراب على الجسد الطاهر. كل حفنة تراب كانت تطرق قلب سليم طرقاً عنيفاً. عندما انتهوا، وقف الجميع لحظة صمت، ثم تفرقوا ببطء، وكل واحد يحمل في قلبه وجعاً لا يراه سواه. ** بعد الدفن بيومين، تغيّر المخيم قليلاً. رغم الألم، قرر الأطفال ألا يستسلموا. كان محمود يوزع الخبز على العائلات، يساعد الأطفال الأصغر سناً على الوقوف بالطابور. آدم كان يصنع ناراً صغيرة ليطهو حساءً بسيطاً من العدس. أما سليم، رغم حزنه الكبير، فقد حمل دلو ماء ثقيل وأخذه إلى خيمة جارتهم العجوز التي لم تستطع الخروج. قالت العجوز وهي تدمع: ـ "بارك الله بك يا بني... أبوك كان رجلاً طيباً، وأنت تسير على خطاه." ابتسم سليم ابتسامة حزينة وقال: ـ "نحن لبعض... كلنا عائلة واحدة هنا." في المساء، اجتمع سليم ومحمود وآدم بجانب النار. كانت أخت محمود الصغيرة نائمة على حجره. قال محمود وهو ينظر إلى النار: ـ "أتعلمون؟ نحن أقوى مما نظن." أجاب آدم وهو يضيف حطباً إلى النار: ـ "وما دمنا معاً... لن يسحقنا الحزن أبداً." نظر سليم إلى صديقيه وقال بصوت مليء بالعزيمة: ـ "سنبني كل ما تهدم... بقلوبنا وأيدينا... سنعيد لغزة نورها." ابتسموا جميعاً ابتسامة صغيرة... كانت متعبة، لكنها مليئة بالأمل. وفي تلك الليلة الباردة، وسط الخراب والفقدان، كانت نار صغيرة تشتعل... نار الحياة التي لا يستطيع الاحتلال إطفاءها. مرّت أيام في المخيم، كانت الحياة صعبة... لكن وسط كل هذا الألم، اجتمع محمود وآدم وسليم مع بعض الأطفال الآخرين تحت شجرة مكسورة. قال محمود وهو يرسم بأصبعه على التراب: ـ "ماذا لو بنينا مدرسة صغيرة هنا؟ مكان ندرس فيه ونلعب، بدل أن نبقى نبكي؟" قال سليم وعيناه تلمعان: ـ "فكرة جميلة! حتى لا ينسى أحد أن غزة قوية." قفز آدم بحماس وقال: ـ "أنا أجيد تثبيت الأخشاب! نستعمل بقايا البيوت المهدمة!" بدأ الأطفال يجمعون الأخشاب المكسورة، وألواح الحديد الصدئة، وأقمشة ممزقة ليصنعوا بها الجدران. كانت أيديهم صغيرة، لكن قلوبهم كانت بحجم السماء. حمل محمود قطعة خشب ثقيلة مع آدم وهو يقول وهو يلهث: ـ "هذه ستكون الباب!" أما سليم، فكان يخط على الأرض بعصا ليحدد أماكن الجدران والنوافذ. مرت نساء المخيم، ونظرن إليهم بدهشة. ابتسمت إحداهن وقالت وهي تمسح دمعتها: ـ "انظروا إليهم... يصنعون الحياة وسط الموت." في اليوم التالي، ارتفعت الجدران الخشبية المهترئة. علقوا فوق المدخل لافتة صغيرة كتبوا عليها بخط غير مرتب: "مدرسة العودة" جلس الأطفال داخل مدرستهم الصغيرة... لم يكن هناك مقاعد ولا سبورة، فقط الأرض والغبار والضحكات. قال سليم وهو يقف كالمعلم: ـ "اليوم، سنحفظ قصيدة عن الوطن." ردّ آدم ضاحكاً: ـ "وستعطينا درجات؟" ضحك الجميع. في تلك اللحظة، كان المخيم كله يتنفس شيئاً اسمه: الأمل. تحت شمس غزة الحارقة، بين الركام والدموع، كان هناك أطفال يبنون المستقبل بأيديهم الصغيرة وأحلامهم الكبيرة. بعد أيام من العمل المتواصل، بدأت "مدرسة العودة" تستقبل أول درس لها. كان المكان لا يزال بسيطاً، الجدران خشبية غير مستقرة، وسقفها مصنوع من القماش المهدم، ولكن هناك شيء آخر كان يملأ الجو... كان الحلم. جلس الأطفال على الأرض، وأمامهم سليم الذي أصبح "المعلم" لليوم. كان يحمل كتاباً قديمًا، وقد كتب على قطعة من الخشب الصغيرة "أبجدية الحياة". قال سليم، وهو ينظر إلى أصدقائه بابتسامة صغيرة: ـ "اليوم سنتعلم كيف نكتب اسم الوطن... غزة." بدأ الأطفال بالكتابة على الأرض باستخدام الحصى الصغيرة. وكل واحد منهم كان يكتب بحذر شديد، وكأنهم يكتبون أحلامهم في تلك الكلمات. قال محمود، وهو ينظر إلى سليم بعينين تلمعان: ـ "أنا أريد أن أكون معلمًا، مثلما أنت اليوم، علمنا يا سليم. أحب أن أعلّم الأطفال كيف يبنون مدارس." ابتسم سليم وقال: ـ "وأنا أريد أن أكون طبيباً، حتى أساعد كل الذين أصيبوا في القصف." ثم نظرت أخت محمود الصغيرة، وهي ترفع يدها لتقول: ـ "وأنا... أريد أن أكون رسامة، أرسم غزة جميلة كما كانت." ضحك الأطفال جميعاً، وأصبح المكان مليئاً بالضحكات الصغيرة، رغم الفقر والمعاناة التي كانوا يعيشونها. لقد بدأوا يتصورون مستقبلاً آخر، مستقبلاً بعيداً عن الدمار. قال آدم، وهو يكتب اسم "غزة" على الأرض بحروف كبيرة: ـ "سنكبر جميعاً... وسنبني مدرستنا الكبرى، وسنعلّم كل العالم عن قوتنا." ابتسم سليم وقال: ـ "أبداً لن ننسى هذا المكان، هذا الفصل الصغير، لأننا هنا زرعنا الأمل." في ذلك اليوم، كان الأطفال يدرسون في مدرستهم، لكنهم كانوا أيضاً يبنون مستقبلاً جديداً بقلوبهم وأيديهم. ورغم أن السماء كانت رمادية، والأرض مغطاة بالدمار، إلا أن هناك ضوءاً صغيراً كان يسطع في قلوبهم... نور الأمل.