أطفال غزة - الفصل الثالث - بقلم Mina - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: أطفال غزة
المؤلف / الكاتب: Mina
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثالث

الفصل الثالث

في اليوم التالي، كان الدمار يعمّ كل مكان. الطرقات مليئة بالغبار، البيوت مهدّمة، والناس يركضون حاملين ما استطاعوا حمله من بقايا حياتهم. سار محمود بجانب سليم وآدم، وهو يحتضن أخته الصغيرة التي لم تتوقف عن البكاء. صاح رجل من بعيد: ـ "هيا إلى المخيم! الجيش قادم! سيضربون من جديد!" ركض الناس كالسيل، أطفال يصرخون، نساء تبكي، رجال يحاولون أن يبدو أقوياء وهم يخفون دموعهم. قالت أم سليم وهي تمسك بيد ابنها: ـ "لا تبتعدوا عن بعض! تمسكوا جيداً!" صاح سليم وهو ينظر حوله بفزع: ـ "أين أبي؟ أين ذهب أبي؟!" ردت أمه بسرعة والدمع في عينيها: ـ "ذهب يبحث عن دواء للجرحى... سيلحق بنا!" سمعوا انفجاراً جديداً يهز الأرض تحت أقدامهم، سقط بعض الأطفال على الأرض من الخوف. ركض آدم نحو طفل صغير وقع يبكي، حمله بين ذراعيه وقال وهو يلهث: ـ "لا تخف... سنصل معاً." محمود كان صامتاً، وجهه شاحب، عيناه جامدتان، كأنه حمل كل أحزان الدنيا على كتفيه. همست له سليم وهو يسير بجانبه: ـ "اصبر يا محمود... نحن معك." رد محمود بصوت مكسور: ـ "لم يعد لي بيت... ولا أم... ولا أب... ماذا بقي لي؟" قال آدم وهو يقاتل دموعه: ـ "بقي لك نحن... إخوتك." واصلوا السير، أقدامهم تغوص في الغبار، والسماء ملبدة بالدخان. عندما وصلوا إلى المخيم، كان المكان عبارة عن خيام ممزقة، طوابير من الأطفال الجائعين، وأمهات يوزعن القليل من الخبز والماء. جلس محمود على الأرض، واحتضن أخته الصغيرة التي نامت من التعب فوق صدره. قال سليم وهو ينظر إلى الأفق بحزن: ـ "كأن الشمس ماتت اليوم..." رد آدم بصوت مبحوح: ـ "لكننا سنصنع شمسا جديدة... يوما ما." صمتوا جميعاً... لا صوت سوى أنين الريح، وبكاء بعيد لطفل فقد أهله. كانت غزة كلها تبكي في تلك اللحظة... لكن القلوب الصغيرة ظلت تنبض بالأمل، رغم كل هذا الألم. استيقظ الأطفال في المخيم على صوت البرد... لا بطانيات كافية، ولا طعام يكفي الجميع. كان الناس يجلسون قرب نار صغيرة يحاولون أن يدفئوا أيديهم المرتجفة. سليم جلس بجانب أمه، يحتضن ركبتيه بصمت. محمود كان يحاول إطعام أخته قطعة خبز يابسة. أما آدم، فكان يجمع الحطب المكسور من هنا وهناك. قالت أم سليم وهي تمسح على شعر ابنها: ـ "اصبروا يا أولادي... الغد سيكون أجمل، بإذن الله." كان المخيم مليئاً بالوجوه المتعبة، والأصوات المنخفضة التي تشبه البكاء المكبوت. فجأة، دخل رجل مسرعاً إلى الساحة، كان صوته مرتجفاً وهو ينادي: ـ "من يعرف سليم؟ أين سليم أبن أبو سليم " وقف سليم بسرعة وقال: ـ "أنا! ماذا هناك؟" اقترب الرجل منه ببطء، وعيناه مليئتان بالحزن. جلس أمامه على ركبتيه وهمس: ـ "يا بني... والدك... والدك قد استُشهد البارحة، وهو يحاول إنقاذ الجرحى..." سكتت الدنيا للحظة. كأن المخيم كله توقف عن التنفس. نظر سليم إلى أمه، عيناها امتلأتا بالدموع وهي تضع يدها على فمها، وكأنها تحاول منع صرخة قلبها من الخروج. همس سليم، وصوته يرتعش: ـ "أبي... مات؟" أومأ الرجل برأسه، ثم انحنى وهو يجهش بالبكاء. ركض سليم نحو حضن أمه ودفن وجهه في صدرها، وهو يصرخ بكاءً مكبوتاً: ـ "لا أريد أن أصدق... لا أريد..." كانت الأم تحاول أن تكون قوية، لكنها لم تستطع. انفجرت تبكي وهي تضم ابنها بقوة إلى صدرها: ـ "كان بطلاً يا سليم... أبوك مات شجاعاً... مات وهو ينقذ الأرواح..." وقف محمود وآدم قربهما، لم يعرفا ماذا يقولان. اقترب محمود ببطء، وضع يده على كتف سليم وقال بصوت مبحوح: ـ "أنا معك... لن تكون وحدك أبداً." قال آدم وهو يبلع دموعه: ـ "سنكبر معاً... وسنبني كل ما هدموه." بقي الجميع واقفين تحت سماء رمادية، والبرد يقسو أكثر، لكن الألم كان أعمق من أي برد. في ذلك الصباح، فقد سليم أباه... لكنه كسب عهداً جديداً مع رفاقه: أن يكملوا الطريق معاً، حتى تعود الضحكة إلى غزة.