أطفال غزة - الفصل الأول - بقلم Mina - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: أطفال غزة
المؤلف / الكاتب: Mina
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الأول

الفصل الأول

في أحد أزقة غزة الضيقة، كان يقف سليم مع صديقيه آدم ومحمود بجوار سور متهالك. قال سليم وهو ينظر إلى السماء: ـ "انظروا، الغيوم كثيرة اليوم... هل تظنون أنها ستمطر؟" رد آدم وهو يضحك: ـ "إن أمطرت، سنلعب تحت المطر مثل العام الماضي!" قاطعه محمود قائلاً: ـ "لكن أمي قالت لي ألا أخرج حين تمطر، لأن الشوارع تصبح موحلة." ضحك سليم وقال: ـ "أنت تخاف من الوحل؟ أنا أغوص فيه وأصنع قوارب من الورق!" رد آدم بحماس: ـ "أنا أيضاً! نصنع سباقاً للقوارب الورقية، من يخسر يدفع لنا قطعة حلوى!" هز محمود رأسه وهو يبتسم: ـ "موافق، ولكن بشرط، لا تستخدمون ورق الدفاتر المدرسية." ضحكوا جميعاً، ثم لمحوا رجلاً يمر وهو يجر عربة خشبية مليئة بالخبز. قال سليم وهو يشير إليه: ـ "أراهن أن الخبز ساخن... أشعر بالجوع." أجابه آدم وهو يربت على بطنه: ـ "أنا أيضاً، لم أفطر جيداً اليوم." سأل محمود بصوت منخفض: ـ "هل تظنون أنه يعطينا قطعة إن طلبنا؟" فكروا قليلاً، ثم قرروا أن يقتربوا من الرجل. قال سليم بخجل: ـ "عمو... هل يمكنك أن تعطينا قطعة خبز؟" ابتسم الرجل بحنان وقال: ـ "خذوا، ولكن بشرط... أن تبتسموا دائماً، مهما كانت الحياة صعبة." تناولوا الخبز بسعادة، وجلسوا على الرصيف يأكلون، وأصوات ضحكاتهم تملأ الزقاق. قال آدم وهو يأخذ لقمة كبيرة: ـ "الحياة حلوة، أليس كذلك؟" رد سليم وهو يمضغ: ـ "حلوة... رغم كل شيء." أومأ محمود برأسه وأضاف: ـ "طالما نحن معاً، لن نحزن أبداً." وفجأة، وهم يأكلون على الرصيف، سمعوا صوت هدير عربة عسكرية تقترب من بعيد. قال محمود وهو ينظر بخوف: ـ "إنها سيارة جيش... يجب أن نغادر!" رد سليم بعناد: ـ "لماذا نهرب؟ نحن لم نفعل شيئاً." آدم أمسك بيديهما قائلاً: ـ "تعالوا نختبئ وراء السور، فقط للاحتياط." ركضوا معاً واختبؤوا خلف السور القديم، وراحوا يراقبون. مرت السيارة العسكرية ببطء، وجنود صهاينة ينظرون يميناً وشمالاً، حتى توقفوا عند العربة التي كان الرجل يبيع الخبز منها. صرخ أحد الجنود على الرجل بالعبرية، لم يفهم الأطفال كل الكلام، لكنهم شعروا بالخطر. قال سليم هامساً: ـ "إنهم يصرخون عليه... لماذا؟" رد آدم وعيناه تتسعان خوفاً: ـ "أظن أنهم يريدون أن يأخذوا الخبز!" وبالفعل، اقترب جندي وضرب العربة برجله، فسقط بعض الخبز على الأرض. حاول الرجل العجوز أن يدافع عن عربته، لكنهم دفعوه بقوة. قال محمود بصوت متهدج: ـ "هذا ظلم... هذا ظلم كبير." أراد سليم أن يركض ليساعد الرجل، لكن آدم أمسكه بقوة: ـ "لا! إنهم قد يؤذونك!" سليم صرخ دون أن ينتبه لصوته: ـ "اتركوه!" التفت جندي نحو مصدر الصوت، وشاهد الأولاد مختبئين. قال محمود برعب: ـ "لقد رآنا! اهربوا!" ركضوا بأقصى سرعة بين الأزقة، وأحذيتهم تتطاير فوق الماء والطين، لا يلتفتون خلفهم. صرخ سليم وهو يلهث: ـ "لا تتوقفوا!" اختبأوا خلف جدار آخر، وظلوا يتنفسون بسرعة. قال آدم وهو يضع يده على صدره: ـ "قلبي سيقف من الخوف." ضحك سليم رغم الخوف وقال: ـ "أنتَ خواف." رد محمود وهو يحاول أن يبتسم: ـ "كلنا خفنا... لكننا شجعان، صحيح؟" هزّ سليم رأسه وقال: ـ "صحيح... نحن من غزة!" بعد أن هدأت أنفاسهم، جلسوا على الأرض خلف الجدار. قال آدم وهو يمسح العرق عن جبينه: ـ "لو أمسكونا، ماذا كان سيحدث لنا؟" رد محمود وهو ينظر إلى الأرض: ـ "لا أعرف... ربما كانوا سيأخذوننا أو يضربوننا." قال سليم بحماس: ـ "لهذا يجب أن نصبح أقوياء... يجب أن نتعلم كيف ندافع عن أنفسنا." سكتوا لحظة، ثم قال آدم بحذر: ـ "كيف نصبح أقوياء؟" أجاب سليم وهو يرسم بيده خطوطاً على التراب: ـ "نذهب للمدرسة، ونتعلم، ونصبح أذكياء... ثم نصير جنوداً شجعان." ضحك محمود وقال: ـ "أنا لا أحب الدراسة كثيراً." ابتسم سليم وقال: ـ "ومن قال إن الجندي لا يحتاج إلى عقل؟ يجب أن تكون أذكى منهم!" هز آدم رأسه وقال بحماس: ـ "أنا أعدكم... سأدرس كل يوم، حتى أصبح بطلاً." مدّ سليم يده وقال: ـ "اتفقنا؟" مدّ محمود يده فوق يده، ثم آدم، وقالوا معاً بصوت واحد: ـ "اتفقنا!" بعدها وقفوا، نظفوا ملابسهم من التراب، وبدأوا يمشون ببطء نحو بيوتهم. في الطريق، قال محمود وهو ينظر إلى السماء: ـ "هل تظنون أن هناك يوماً... سنلعب فيه بلا خوف؟" أجابه سليم وهو يبتسم ابتسامة صغيرة: ـ "سيأتي هذا اليوم... طالما نحن نحلم ونقاتل." ضحك آدم وقال: ـ "وعندما يأتي هذا اليوم، سأدعوكما لحفلة فيها خبز وكعك كثير!" رد سليم ضاحكاً: ـ "وانا سأحضر البالونات!" وقال محمود وهو يقفز فرحاً: ـ "وأنا سأحضر العصير!" ظلوا يضحكون ويتحدثون طوال الطريق، رغم أن الشوارع كانت مليئة بالحطام ورائحة الدخان، لكن قلوبهم كانت مليئة بالأمل. حين وصل سليم إلى بيته، فتحت له أمه الباب بسرعة. قالت بقلق: ـ "أين كنتَ يا سليم؟! لقد سمعتُ إطلاق نار!" رد سليم وهو يبتسم مطمئناً: ـ "لا تخافي يا أمي، كنت ألعب مع آدم ومحمود." وضعت أمه يدها على قلبها وقالت: ـ "اللعب هنا خطير يا بني... أعدني أنك لن تذهب بعيداً مرة أخرى." اقترب سليم منها وعانقها وقال: ـ "أعدكِ... لكنني سأصبح قوياً يوماً ما، وأحميكِ." ابتسمت الأم بعينين دامعتين وقالت: ـ "حماك الله يا ولدي." --- وفي بيت آدم، كانت أمه تنتظره وهي تحمل رغيف خبز بيدها. قالت بنبرة غاضبة بعض الشيء: ـ "آدم! أين اختفيت؟ كنت سأرسل أباك يبحث عنك." رد آدم بخجل وهو يحك رأسه: ـ "كنت مع سليم ومحمود... واختبأنا من الجنود." وضعت الأم يدها على رأسه وقالت بحنان: ـ "الله يحميك يا روحي... لكن في المرة القادمة، عد فوراً للبيت." قال آدم وهو يبتسم: ـ "حاضر، أمي... وبالمناسبة، أنا قررت أن أدرس كثيراً!" رفعت حاجبها بتعجب وقالت: ـ "حقاً؟! ماذا حدث لك فجأة؟" ضحك آدم وقال: ـ "أريد أن أصبح بطلاً كبيراً... وأحمي كل الأطفال." حضنته أمه وقالت: ـ "أنتَ بطلي الصغير من الآن." --- أما محمود، فحين دخل بيته، ركضت أخته الصغيرة نحوه وضحكت. قالت أخته ببراءة: ـ "محمود! أين كنت؟ ظننتك ذهبت إلى القمر!" ضحك محمود وحملها بين ذراعيه وقال: ـ "لا، فقط ذهبت أنقذ العالم." جاءت أمه من المطبخ وهي تمسح يديها بالمنديل، وقالت: ـ "وهل أنقذت العالم يا شجاع؟" ابتسم محمود وقال: ـ "قريباً يا أمي... لكن أولاً، سأبدأ من مدرستي." ضحكت الأم وربتت على رأسه وقالت: ـ "ابدأ بواجباتك أولاً يا بطل!" ضحك الجميع، وعمّ البيت جو من الدفء رغم كل شيء يحدث حولهم. لأن في غزة... الحب لا يموت، والأمل لا ينكسر.