عودة بلا ملامح
عاد فجأة.
بلا مقدّمات، بلا اتصال، بلا اعتذار.
في ليلة رمادية، فتحت أمي الباب لتجده واقفًا، منهكًا، نحيلًا كمن خاض حربًا لا نعرف خرائطها. لم يقل شيئًا، فقط قال:
"رجعت."
كأن العودة فعل بسيط… لا يحمل في داخله كل ذاك الحطام.
انقلب البيت رأسًا على عقب. أمي بكت كما لم تبكِ من قبل، أبي جلس أمامه كأنه يراه للمرة الأولى، وأنا... لم أعرف ما أقول. كنت أريد أن أصرخ فيه، أن أعاتبه، أن أحتضنه، أن أصفعه، أن أصرخ "أين كنت؟!"... لكني بقيت ساكنًا، أراقب، وأحاول أن أتعرف عليه من جديد.
كان أخي، نعم... لكن ليس كما تركناه.
يمشي ببطء، يتكلم كمن يزن كل حرف قبل أن يخرجه، يضحك بصوت خافت لا يصل إلى عينيه.
وجهه مليء بكدمات قديمة، وهناك جرح فوق حاجبه بدا وكأنه لم يندمل يومًا.
حاولنا سؤاله، لكن رده كان دائمًا:
"مش وقته."
كان يجلس لساعات طويلة في الشرفة، يكتب في دفتر أسود صغير، ثم يمزق الصفحات ويرميها في المدفأة.
كان الهاتف يرن أحيانًا، يراه فيسكت، ثم يخرج إلى الشارع ويعود بعد ساعة دون أن يخبر أحدًا بشيء.
كنت أراقبه ليلًا. سمعته يتكلم في نومه، يهمس بأسماء غريبة، يطلب من أحدهم أن "يتركه وشأنه"، ثم يستيقظ مفزوعًا، يتعرق كأنه خرج من معركة حقيقية.
ذات ليلة، همس باسمي، بصوت مكسور:
"لو جرالي شي، خبّي الرسائل."
حينها، أدركت أن الحرب لم تنتهِ... بل انتقلت إلينا.
في اليوم التالي، طرق الباب رجال شرطة بملابس مدنية.
كانوا يبحثون عن "مصطفى الحاج"، وذكروا اسم أخي بين السطور.
قالوا إن هناك شبكة تهريب أدوية تم كشفها، وإن هناك "شهودًا" مستهدفين.
انسحبوا بهدوء، لكن نظراتهم كانت كافية لتزرع القلق في البيت.
أدركت حينها أن عودته ليست النهاية… بل بداية لمصيبة أكبر.
كان يجب أن نحميه...
لكن الحقيقة؟
هو من كان يحاول حمايتنا منذ البداية.