رسائل من الماضي
كنت أرتب مكتب أخي ذات مساء، بدافع الحنين أو ربما بدافع الألم. تلك الغرفة ظلت مغلقة منذ اختفائه، لكنني كنت بحاجة لشيء منه، أي شيء.
فتحت أحد الأدراج القديمة، وداخل كتيّب مدرسي عتيق وجدت مغلفًا صغيرًا بلا عنوان. كان مشدودًا بخيط أسود كأن أحدًا أراد أن يظل مغلقًا إلى الأبد… أو أن يُفتح فقط حين يحين الوقت.
فتحته.
في الداخل، كانت هناك سبع رسائل، مكتوبة بخطّ يده.
مرقمة من واحد إلى سبعة، وكل واحدة تحمل تاريخًا مختلفًا، كأنها سجلّ خاص لرحلة سقط فيها من دون أن نعلم.
الرسالة الأولى كانت قصيرة، كأنها تمهيد:
> "إلى نفسي، التي لا أجرؤ على مواجهتها. هناك صوت بداخلي يخبرني أن ما أفعله خطأ، لكنني أواصل، لأنني غارقٌ لدرجة أني لا أرى طريق العودة."
قرأت الرسالة مرتين. شعرت بوخز في قلبي، كأنني كنت هناك، أراقبه يسقط دون أن أمدّ له يدي.
الرسالة الثانية كشفت أكثر:
> "بدأ كل شيء مع سامي… كنت أحتاج المال، فقط لأدفع دَينًا بسيطًا. لكنه قال إن هناك طريقة سهلة وسريعة. كانت صفقة واحدة، ثم تنتهي. لكنه كذب."
كان هناك شيء ثقيل في صدره، في عقله، شيء حوّله من ذلك الأخ الذي أعرفه إلى الغريب الذي اختفى. سامي… صديقه المقرب؟ الذي لطالما دافع عنه أمام أبي؟
كيف يكون هو مدخله للعتمة؟
الرسالة الثالثة كانت مؤلمة:
> "أبي لو علم، سيكسرني. أمي ستنهار. وأنت، أخي الصغير، ستكرهني. لم أرد لهذا أن يحدث… لكنني الآن محاصر. إن خرجت، سأخسر كل شيء. وإن بقيت، سأخسر نفسي."
توقفت حينها. الرسائل لم تعد مجرد كلمات، بل سكاكين ناعمة تجرح دون دم.
ماذا فعل؟ ما هو الشيء الذي تورط فيه وجعله يهرب منا؟
الرسالة الرابعة تحدثت عن شخص اسمه "الحاج مصطفى"، يبدو أنه تاجر نافذ، صاحب نفوذ وأموال. أخي كان يعمل عنده، لكنه اكتشف أمورًا مشبوهة. تهديدات بدأت تصل إليه، ثم رسالة تركها على نافذتنا بعد الحادث تقول:
> "ابنك تجاوز حدوده، فليصمت وإلا..."
كل شيء انقلب في رأسي. أخي لم يكن هاربًا منّا… كان يحمينا.
الرسالة الخامسة كانت مشتعلة بالخوف:
> "أنا لا أنام. أسمع خطوات خلفي. أرى ظلالًا لا تختفي. الهاتف يرن دون صوت. والكوابيس تسرق نومي. لم أعد أثق بأحد، حتى بنفسي."
السادسة كانت شبه وصية:
> "إن حدث لي شيء، لا تبحثوا عني. فقط اعلموا أنني حاولت… حاولت أن أكون كما أردتم، لكن العالم ليس كما كنا نظنه ونحن نلعب تحت المطر."
أما السابعة… فكانت فارغة. فقط التاريخ في الأعلى… واليوم التالي كان هو يوم الحادث.
وقفت حينها، أحمل الأوراق بين يديّ كأنها نثارات قلبه، وانهرت.
كل ما كنت أبحث عنه في الشوارع… كان هنا.
أخي لم يختفِ لأنه أناني.
بل لأنه بطل… حاول أن يسقط وحده حتى لا نسقط معه.