الغياب
استفاق أخي بعد ثلاثة أيام من الغيبوبة. فتح عينيه بصعوبة كمن خرج للتو من كابوس لم ينتهِ بعد. حدّق في السقف طويلًا، ثم التف نحو النافذة دون أن يقول شيئًا. أمي هرعت إليه، احتضنت يده كأنها تخشى أن يختفي مجددًا. أما أنا، فوقفت خلف الباب… أراقب.
لم يتكلم كثيرًا. قال إن كل شيء ضبابي، لا يتذكر سوى صوت فرامل الدراجة وصرخة قصيرة، ثم الظلام. الطبيب قال إن ذاكرته قد تعود، وقد لا تعود. لكن المشكلة لم تكن في ذاكرته، بل في صمته.
مرت أيام وأخي في البيت، لكنه لم يكن فينا. جلساته طويلة أمام النافذة، نظرته فارغة، وكأن العالم يمشي وهو بقي عالقًا في لحظة ما. كلما سألته أمي: "بماذا تفكر؟" يرد بابتسامة باهتة: "لا شيء." وكلما حاول أبي فتح الحديث عن الظرف الذي وُجد في حقيبته، يختفي أخي من الغرفة.
لكنني كنت أراقبه. ألاحظ ارتباكه كلما دخل عليه أبي، توتره كلما سمع الهاتف يرن، وارتجاف يده كلما سألته: "هل تود أن نخرج قليلاً؟" ويرد: "لا، ليس الآن."
ثم، في صباح بارد، استيقظنا ولم نجده.
ترك خلفه السرير فارغًا، النافذة مفتوحة، ووشاحه الأسود الذي كانت تحبه أمي، مرميًا على الكرسي.
ركضنا جميعًا في كل الاتجاهات. هاتفه مغلق. أصدقاؤه لم يروه. جيرانه لا علم لهم. وحتى عمله… قالوا إنه استقال قبل أسبوعين من الحادث، دون سابق إنذار.
كل الطرق قادتنا إلى المجهول. وبدأت الأسئلة تنهشنا:
هل هرب منّا؟
هل هناك من يطارده؟
هل هو بخير؟
هل سافر؟
أم هل هناك سرٌ آخر… دفنه في قلبه وقرر أن يذهب معه بعيدًا؟
أمي ذبلت. صارت تضع طبقه على المائدة كل ليلة، كأنه سيعود فجأة ويطلب شوربة العدس. أبي لم يعد يتحدث عنه، كأن الحديث عنه يُشعل فيه شيئًا لا يستطيع إخماده. وأنا… كنت أبحث في وجوه المارة، في الصور، في الأماكن القديمة… لعلني أراه.
مرت شهور.
والبيت، رغم امتلائه بنا، صار فارغًا.
البيت بلا أخي… مجرد جدران تئن من الحنين.