الليلة التي تغيّر فيها كل شيء
في تلك الليلة، كانت السماء تمطر بغزارة كأنها تغسل خطيئة لا أحد يعرفها بعد. كان كل شيء يبدو طبيعيًا، عاديًا بشكل مريب. العشاء البسيط، أمي التي تمسح الطاولة برتابة، وأبي الذي لا يرفع عينيه عن التلفاز، وأنا أراجع دروسي بصوت خافت على أمل أن ينتبه أحد لإنجازي في الرياضيات. وأخي... لم يكن هناك.
غاب عن العشاء، وهي عادة لا يفعلها. أخي يحب الطعام كأن قلبه معلق برائحة الطهي. توقفت أمي عن المسح، نظرت نحو الباب ثم إلى ساعة الحائط الخشبية: التاسعة وربع. لم تتكلم، لكنها كانت متوترة. أما أبي، فقال ببرود: "ربما تأخر عند صديقه سامي."
لكنني شعرت بشيء غريب في الهواء. إحساسٌ لزج، يشبه تمامًا تلك اللحظة التي تسبق حدوث الكارثة، حين يهدأ كل شيء فجأة... قبل أن ينفجر.
الساعة العاشرة. لا اتصال، لا رسالة. أمي بدأت تدور في الصالة كمن أضاع مفاتيح روحه. كنت أراقبها من طرف عيني وأحاول أن أبدو هادئًا، لكن قلبي كان يقرع صدري كطبل حرب.
ثم رن الهاتف.
رفعت أمي السماعة، وكان صوتها في البداية عاديًا، ثم تغيّر فجأة، تجمّدت ملامح وجهها، سقطت السماعة من يدها، وارتجف قلبنا جميعًا معها. أقبل أبي مسرعًا، حمل السماعة بصوتٍ مشحون، وقال: "أين؟ كيف؟… نحن قادمون."
ركضنا إلى المستشفى. لا أذكر كيف وصلنا، ولا كيف اختفى الوقت بين اللحظة واللحظة. كل ما أذكره هو تلك الرائحة الباردة في الممر، وصوت الأجهزة التي تقيس النبض والقلق معًا.
كان أخي هناك، على سرير أبيض، وعينيه مغمضتان، وجرح على جبينه يتحدث بصوت أعلى من أي كلمة. اصطدمت دراجته بسيارة مسرعة، قالوا إنها هربت ولم يتوقف صاحبها. شرطي ما بدأ يسأل أسئلة كثيرة، وأبي يرد بجمل قصيرة مقتضبة. أما أنا، فوقفت عند الباب، أنظر لأخي، لا أعرف ما الذي يؤلمني أكثر: الجرح في رأسه أم الصمت الذي تركه في البيت.
في تلك الليلة، لم ينم أحد. والمشكلة لم تكن فقط في الحادث… بل في ما كان يحمله أخي في حقيبته.
فتح أبي الحقيبة. كان يبحث عن وثائق ربما… أو هاتفه… أو أي شيء يُطمئنه. لكنه وجد ظرفًا بنيًّا سميكًا، بداخله أوراق كثيرة، ورسالة.
قرأ أبي الرسالة بصوت مرتجف، وانكمشت ملامحه كما تنكمش القلوب حين تنكشف الخيانة.
"سامحني يا أبي، قد لا تفهم ما أنا مقدم عليه، لكني مضطر. هناك أمور كثيرة لم أستطع أن أشارككم بها. وأنا آسف…"
ثم توقّف أبي عن القراءة. مزق الورقة قبل أن نكملها. نظر إليّ، ثم قال لأمي: "لا تقولي شيئًا له إن استيقظ. ليس الآن."
في تلك الليلة… لم يتغير فقط شكل البيت، بل تغيّر شكل أخي في قلبي.
من بطل طفولتي… إلى لغزٍ كبير.