الطفولة لا تموت
كانت تلك الغرفة الصغيرة، المربعة، ذات الجدران البيضاء المشققة، شاهدة على كل الحكايات التي لم تُروَ. رائحة الكتب القديمة المختلطة بغبار الشمس، وعبق ذكرياتٍ لم نفهمها حين كانت تحدث، لكنها الآن تطاردني كلّما أغلق الليل أبوابه. هناك، تحت سريري الخشبي المهتز، خبّأتُ سرّي الأول. وهناك، على الجانب الآخر، كان أخي يخطط لسرقته.
لطالما كان أخي أكبر مني بعامين، لكنه بدا أحيانًا وكأنه يحمل عمرين فوق رأسه. لم يكن وسيمًا كما يقولون في القصص، ولم يكن شريرًا كما يصوّرون الأشقاء الكبار في المسلسلات، كان فقط... أخي. الخليط الغريب من القسوة والرقة، من الضحك الجارح والحضن المربك، من المزاح الذي ينتهي غالبًا بدموع أحدنا، وغالبًا ما أكون أنا.
في ليالي الشتاء الباردة، كان يتسلل إلى سريري بذريعة أن بطانيته خفيفة، أو أن النافذة في جهته لا تُغلق جيدًا. كنت أستقبله بتذمر مصطنع، وأفرح في داخلي. لا أحد يحب النوم وحيدًا، خاصة حين تبدأ قصص الأشباح تتراقص في الزوايا.
أذكر أول مرة بكيتُ أمامه. كنت في الثامنة من عمري، وقد كسرتُ لعبتي المفضلة، تلك الدمية ذات الفستان الأزرق، التي جلبتها لي أمي من سوق العاصمة. حاولت إصلاحها، عبثًا، ثم جلست على أرض الغرفة أبكي. دخل أخي، وقف قليلًا، ثم جلس أمامي، أخرج من جيبه سلكًا حديديًا صغيرًا، وبدأ في إصلاح ذراعها. لم يتكلم. ولم أتكلم. لكننا تحدثنا كثيرًا في تلك اللحظة.
مرت السنوات، وتغير شكل الغرفة، وكبرنا. أزيلت الأسرة، وعلقت شهادات التفوق على الجدران مكان الملصقات القديمة. رحلت الدمى والكرات، وجاءت الحواسيب والكتب الجامعية. لكن شيئًا لم يُزل تلك الروح التي تعلّقت بذاك المكان. تلك الطفولة... لم تمت. كانت فقط نائمة في ركنٍ دافئ من القلب.
لكني، يومها، لم أكن أعلم أن تلك الطفولة ستكون آخر ما يجمعنا.