الفصل ٧
تسللت ذاكرتي إلى الوراء، إلى يوم كانت فيه الحياة اقل تعقيدا لم أكن أعلم أن الصدف قد تكون أكثر دقة من الخطط، ولا أن النظرة العابرة قد تغيّر وجه العالم في داخلي…
كان يومًا عاديًا، أو هكذا ظننته.
كنتُ أجلس في مكاني المعتاد، أتظاهر بالانشغال، بينما أعين المراقبة داخلي كانت تلتقط كل التفاصيل…
وفجأة، دخل "آسر".
لم يكن دخوله مثيرًا، لم تصحبه موسيقى تصويرية، ولا تساقط ورود من السماء…
لكن قلبي ـ الغافل دومًا ـ فهِم.
اهتزّ كأنه طُعن، ثم هدأ… كأنه وجد من يُهدّده جماله.
كانت نظراته سلاحًا صامتًا، ومجرد عبوره أمامي كان يكتب في داخلي جملة لا أعرف نهايتها بعد.
لم ينظر إليّ مباشرة… لا في البداية.
لكنه، بطريقة غامضة، كان يلتف بصمته حولي، كأنه يعرف أنني هنا… دون أن يثبت ذلك.
في ذلك اليوم، عرفت أنني لن أكون كما كنت.
أصبحت أراقب حضوره، أحصي خطواته، أفتعل المصادفات،
أغير مكاني فقط لأراه من زاوية أصدق،
حتى إنني، حين قررت مرة أن أختبئ، رأيته يبحث عني بعينيه.
تاه قليلاً… وكأنه يريد أن يقول شيئًا، لكنه تراجع.
"كل الأشياء الحقيقية تبدأ بلا نية، وتستمر رغمًا عنّا."
منذ تلك اللحظة، لم يعد حضوره عاديًا.
كنت أنظر إليه وكأنني أقرأ كتابًا صامتًا، مليئًا بالرموز، بالتناقضات، بالألم النبيل.
كل مرة كانت أعيننا تتلاقى، كان الوقت يتوقف.
ليس لأن شيئًا عظيمًا يحدث… بل لأنني أنا، كنت أغرق، وأُولد من جديد في لحظة.
"آسر كان يشبه الشتاء... لا يُفصح كثيرًا، لكنه يُغيّر كل شيء بهدوء."
تمنيت أن أكون قادرة على قول كل شيء…
لكنني لم أفعل، لأن الخوف كان أضخم من القلب.
ولأنني احترمت نفسي، وأهلي، وثقة أبي وأخي، أكثر من أي لحظة تهور.
رفضت علاقة، لأنني كنت متعلقة بحلمٍ نقي.
كنت أعرف أنني لن أبيع حلمًا عميقًا من أجل لحظة مؤقتة.