الفصل ٥
لم أعد أُحسن تفسير ما يحدث بداخلي…
كلما رأيته، تاهت ملامحي، تفككت ملامح يومي، واختلطت أنفاسي بنداءاتٍ لا يسمعها أحد.
تعبت… من شخصٍ ليس لي.
من نظرةٍ تُربكني، وصوتٍ لا أعرفه لكنه يهدّ صبري، من خيالٍ ينمو داخلي حتى بدأ يأكلني حيّة.
في كل صباح، أستفيق على وجع لا أملك له دواء…
مشاعري مكشوفة حتى أمام المرايا، أراها تُعَرّيني أمام نفسي…
وأبتسم… وكأن شيئًا لم يحدث.
"إنها ابتسامة من انهارت في داخلها، ولم تجد في الخارج أحدًا يُدرك صوت الحطام."
كلما ناظرني، ارتجفتْ تفاصيل وجهي…
يضيع توازني، يعلو خفق قلبي لدرجةٍ أشعر فيها أنني على وشك السقوط، أو الانفجار…
لا أدري.
أصبح وجوده "مُهدّئ" مزيف لروحي…
وغيابه "لعنة" تُبعثر كل اتزاني.
أراه فأبتسم، لا لأن الحياة تبتسم لي، بل لأن قلبي يقول لي:
"ها هو… المُعذب الجميل، الذي لا يعلم أنه قاتلي."
أصبحت أتخيله… يدافع عني، يحتويني، يُنقذني من فوضاي…
أحيانًا أُغمض عيني في صلاتي، وأدعو:
"يا رب، إن كنتَ تعلم أنه لي… فاجعلني له."
ثم أُكمل الدعاء خافتة، كأنني أخجل حتى من الله أن يعلم كم أحبه.
رفضتُ من أراد قلبي، لأنني وهبته لوجهٍ لم يطلبه…
لأنني أقدّس ثقة والديّ، وأخي، وأقدّس نفسي أكثر من أن أتنازل في طريقٍ لا يشبهني.
ولأن قلبي لا يعرف الكذب، ولا يستطيع أن يعطي سوى مرة واحدة… وقد فعل.
أذكر تلك اللحظة جيدًا…
دخل القسم يبحث عن الأستاذ، لكنني أعلم أنه كان يبحث عني.
كانت عيناه تتحركان بين المقاعد، وعندما وجدني، توقفت للحظة… فقط لحظة… لكنها كانت كافية لإرباك مجرة كاملة داخلي.
وفي الخلف، كانت البنات يتهامسن:
ـ "أليست هناك فتاة تحبه غيرك؟"
غِرت… نعم، شعرت بمرارة لا توصف، وكأنهن اقتلعن شيئًا من قلبي.
ضحكتُ يومها، ليس لأن الموقف مضحك، بل لأُخفي انهياري.
"أنا التي تحب آسر في صمتٍ هائل، لا يراه أحد… لكن يشعر به الكون."
"أنا سجينة أفكاري… والمفتاح الوحيد في يد من لا يعلم أنه يحملني."