ذكريات
مشيت من عند كمال وأنا حاسة إن الأرض مش ثابتة تحت رجليّا...
صوته لسه بيرن في ودني، غضبه، نظرته، كل ده كان بيلف حواليا كأني محاصرة بدوامة من مشاعر متضاربة.
قعدت على الرصيف قدام البحر، والموج بيطلع وينزل، وكأنه بيحاول يهدّيني... بس قلبي ما كنش هادي.
وفجأة...
رجعتني ريحة البحر، نسمة صغيرة عدّت، فيها نفس البرد القديم اللي كان يسبق ليالي الشتاء زمان.
والنسمة دي، كانت المفتاح...
المفتاح لباب مقفول جوايا من سنين.
باب اسمه "بابا".
---
كنت في التاسعة...
ليلة طويلة، والبرد كان قارس، والمطر بيضرب شبابيك بيتنا زي الطبول.
كنت مستخبية تحت بطانية بابا، وهو قاعد جنبي بيحكي لي عن النجوم.
كان دايمًا يقول لي:
"أريچ، لما أموت... بصّي للسماء. لو شفتي نجمة بتبرق لوحدها، دي أنا.
هكون هناك... بحرسك."
ضحكت وقتها، وبكيت من غير ما يفهم إني خايفة من فكرة موته أكتر من أي حاجة.
لكن بعدها بأشهر،
فجأة...
اختفى بابا.
قالوا لي إنه سافر بعيد، وقالوا لي إنه ارتاح...
بس ما حدّش قال لي الحقيقة.
هو مات.
مات فجأة، من غير وداع، من غير حضن، من غير حتى فرصة أقول له "ما تسيبنيش".
قعدت أيام، بحكي للحيطان، وبكتب على الحيطان اسم بابا، وأبعت له رسايل في ورق صغير، وأرميها في البحر...
كنت فاكرة إنه هيقراها.
ومن يومها...
اتعلمت أكتم، وأخبّي، وأضحك، حتى لو قلبي مكسور.
---
رجعت من الذكرى وأنا دموعي نازلة ومفيش صوت،
بس البحر كان بيكلّمني، كأنه بيطبطب، وبيقول لي:
"لسه فيكي وجع، ولسه فيكي حنين."
قمت وقررت أرجع البيت، لكن وأنا ماشية...
لمحت كمال واقف بعيد، مش شايفني، بيكلم نفسه أو بيكلم حد في التليفون،
وصوته منخفض، بس ملامحه مش بتكذب.
كان شكله تايه...
عيونه مجهدة، ووجهه شاحب، وكأنه شايل حاجة تقيلة جوّا، حاجة مش قادر يقولها.
اتبعته من بعيد، خطواتي هادية، وحذرة.
دخل شارع جانبي، ووقف قدام باب بيت قديم مهجور،
وقف شوية...
وبعدين مد إيده، وفتح الباب، ودخل.
فضلت واقفة، قلبي بيخبط، وأنا مش فاهمة...
ليه كمال بيروح المكان ده؟
وإيه اللي هناك؟
---
من اليوم ده، بدأت ألاحظ التغير...
كمال ما بقاش يضحك زي الأول، ولا يسأل عليّا بنفس الشوق،
كلامه قليل، ومفيش حرارة في صوته،
وفي عيونه؟
فيها حاجة جديدة...
برد... أو خوف... أو ذنب، مش قادرة أفسّره.
كنت بحاول أفتّش عن كمال القديم،
بس كل ما أقرّب، ألاقيه بيبعد.
وفي مرة...
قالي وهو بيبص لي من بعيد:
"في حاجات بتحصل، بتخلّي الواحد ما يرجعش زي ما كان."
سألته:
"وإنت حصل لك إيه؟"
ما ردش.
وسابني...
وساب جوايا علامة استفهام كبيرة،
بتوجع أكتر من كل الذكريات.