حين كان البحر صديقنا - الفصل الاول حين كان البحر صديقنا - بقلم re | روايتك

اسم الرواية: حين كان البحر صديقنا
المؤلف / الكاتب: re
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الاول حين كان البحر صديقنا

الفصل الاول حين كان البحر صديقنا

(سنة 1999 - حي بحري، الإسكندرية) كنت في التاسعة من عمري حين رأيته لأول مرة... كان يرتدي قميصًا أبيضًا واسعًا ويمسك بيده طائرة ورقية صنعها بنفسه. كنت أراقبه من شرفتي في الطابق الثاني، بينما هو يركض على الشاطئ، يضحك، ويصرخ، كأن الدنيا كلها لا تحمل همًا فوق رأسه. كمال... اسمه فقط كان يكفيني كي أبتسم. رأيته يكبر عامًا بعد عام، وكلما كبر، كبر معه شيء بداخلي... شيء يشبه الوجع حين يتأخر عني يومًا... شيء يشبه الفرح عندما يلوّح لي من بعيد، كأنه يقول: "أنا هنا، أريچ، لا تخافي، لن ابتعد". كنت أقف خلف الستارة الشفافة، أراقب وجهه حين يبتسم، وأحاول أن أفهم ما الذي يجعل الناس مثل كمال... يضيئون الحياة من دون أن يشعروا. أمي كانت دائمًا تقول: "إوعي تفتكري إن القلب اللي بينبض بسرعة هو قلب حب... ساعات بيكون قلب خوف." وأنا؟ كنت لا أفرّق. كل نبضة كانت تعني "كمال". كبرنا... وأصبح الشاطئ موعدًا سريًا بيني وبينه، من دون أن نتحدث. هو يرسم بعصاه دوائر على الرمل... وأنا أراقبه من بعيد، كأنني أحاول أن أفك شفرة تلك الدوائر. كان يملك عينين، فيهما لون الغروب، مزيج من البرتقالي الحزين والأزرق المكسور... وكان يقول لي دومًا: "لو البحر كان إنسان، كان بقى إحنا، أريچ." ضحكت، وسألته يومًا وأنا عندي 13 سنة: "إنت بتخبّي حاجة؟" رد وهو بيبص للميّه: "البحر ما بيقولش أسراره، وأنا كمان." وقتها بس حسّيت إني محتاجة أكتب، أدوّن، أدوّن كل لحظة بعيشها معاه... بس مش بالكلمات. كنت بكتب على الرمل، وبسيب البحر يمحي. وكأنني كنت بخاف إن حد يكتشف، إن كل حروفي كانت بتقول: "أنا بحبك، كمال." (بعدها بشهور...) بدأت ألاحظ حاجات غريبة... كمال اختفى كذا مرة، من غير ما يقول . ساعات بشوفه مع شخص غريب، راجل كبير في السن، دايمًا لابس أسود وبيتكلم بصوت واطي... كنت بحس إني بتفرج على مشهد مش المفروض أشوفه. مرة واجهته، وسألته: "إنت بتخبّي إيه عني؟" ابتسم، وبص لي النظرة اللي عمرها ما كانت بريئة، وقال: "في حاجات يا أريچ، لو عرفتيها، مش هتقدري تحبيني بعدها..." وسابني ومشي. وقتها حسيت إن البراءة اللي كانت بينا، اتكسرت. بس قلبي؟ لسه كان بيحبه... يمكن أكتر من الأول. من بعد اليوم اللي قال لي فيه "مش هتقدري تحبيني بعدها"، بدأت عيني تشوف كل حاجة بشكل مختلف... كنت بشوف كمال، بس مش نفس كمال اللي كان بيضحك على الشط وهو بيجري بطائرته الورق. بقى صامت أكتر، عيونه فيها حزن مش بتاع سنه، وابتسامته... مبتسمة بس مش فرحانة. وف وسط دا كله... بدأت تظهر "ندى"، أخته الكبيرة. ندى كانت شبه كمال شوية، في الملامح، في العيون، بس مش في القلب. من أول ما شافتني، كنت حاسة إن فيه حاجز بينا، حاجة مش مفهومة، كأنها بتوزنني بنظرتها، وبتقارنني بنفسها في صمت. مرة، وأنا قاعدة على السلم قدام بيتهم، سمعتها بتقول له وهي شايفة إني سامعة: "هو إنت بجد شايف فيها حاجة؟ دي طفلة، وكمان... شكلها حلو بس مش أكتر. البنت دي واخدة كل انتباهك، وكأنك نسيت أنا مين." كمال ما ردش. بس أنا سمعت... سمعت كل حرف، وكل حرف كان طعنة صغيرة في صدري، مش علشان هي قالت إني "بس شكل"، لأ... علشان هو سكت. من يومها، وأنا بقيت أتجنب ندى... مش خوفًا، بس علشان عرفت إن اللي بيتمنالك الشر، مش لازم يؤذيك بإيده، ساعات بيكفي إنه يحفر جواك شك. بس ما كنتش لوحدي... كان فيه خالد. خالد ابن عمّي، اللي دايمًا كنت بحسّه زي أخويا الكبير. كان بيحبني من وإحنا صغيرين، حب مش بيطلب حاجة، حب موجود في وجوده جنبي، في حنيّته، في خوفه عليّا. مرة قال لي: "أريچ، ندى مش بتحبك، ومش هتحبك. إنتي أحلى منها، وكمال شايف ده، وهي مش قادرة تستحمل. بتغير منك، وبتداري غيرتها بقسوة." قلت له وأنا بضحك: "يعني أعمل إيه؟ أغيّر وشي؟" رد بنبرة جادة: "تتجنبيها... وخلي بالك منها، من نظرتها، من كلامها، من سكتها." وكنت بسمع كلامه، بس قلبي؟ كان دايمًا بياخدني ناحية كمال، حتى لو الطريق حواليه مليان شوك. وعيلتنا كانت دايمًا عيلة واحدة. بيتنا جنب بيتهم، ومناسباتنا سوا، وضحكنا سوا، وأعيادنا كلها في بيت جدتي الكبيرة، اللي كانت تقول: "أريچ وكمال، دول هيرتبطوا ببعض، ويفضلوا طول العمر..." وكنت أصدقها، وأحلم باليوم اللي ألبس فيه فستان أبيض، وكمال يمد إيده وياخدني من بيتنا للبيت اللي هيكون لينا... بس القدر؟ كان عنده حكاية تانية.