الفصل التاسع: الظل
لم يكن الخيط الأبيض سوى شعرة رفيعة بين الحلم واليقظة. إدموند جلس بصمت، يراقبه وهو ينبض في راحة يده ككائن صغير حي. لم يفهم كيف خرج من تلك الصحراء الزرقاء، ولا كيف عاد إلى القصر، لكنه شعر أن شيئًا داخله لم يعد كما كان.
الغرفة التي استيقظ فيها كانت مختلفة عمّا دخله في المرة الأولى. لا مرآة، لا صوت، فقط ضوء خافت يتسلل من النوافذ العالية، يكشف عن ستائر مهترئة وأثاث مغطى بطبقات من الغبار. بدا وكأن أحدًا لم يدخل هذه الغرفة منذ قرن، أو منذ لحظة.
تحسس صدره. دقّ قلبه بوتيرة سريعة. كانت يده الأخرى لا تزال تمسك بالخيط. لم يقدر على رميه.
خرج من الغرفة بتثاقل، يمشي كمن خرج من تحت الماء. كل خطوة كانت تغرقه أكثر في المجهول، كأن القصر نفسه تغيّر. الممرات امتدت، الجدران تنفّست، ولوّن الضوء كل شيء بدرجات من الأزرق الرمادي.
ثم سمعه.
صوت وقع الخطوات.
منتظم. حاد. قادم من خلفه.
التفت. لم يكن أحد.
لكنه شعر به. كما في الحلم.
ظلّ يتقدّم دون أن يلتفت مجددًا، حتى وصل إلى ساحة داخلية مظللة بالأشجار اليابسة. هناك، في المنتصف، تمثال لرجل مجهول، يحمل سيفًا ضخمًا في يد، وفي الأخرى... خيط.
اقترب منه. نظر إلى وجه التمثال... ثم جمد في مكانه.
كان وجهه.
لكن بعينين سوداوين بالكامل.
"كل شيء بدأ هنا، إدموند."
كان الصوت يأتي من الظلال.
"الخيط ليس دليلًا لك وحدك. هو أيضًا وسيلة للعثور عليك."
ظهر الرجل من العتمة، نفس الرجل — شعره الفضي، سترته الرمادية، المجسات تمتد من ظهره كأذرع عقرب منسيّ.
لكن هذه المرة، كان أقرب. أكثر واقعية.
كان ينظر إليه بعينين مليئتين بالحقيقة. بلا كراهية. بلا غضب.
"أنت خنتنا جميعًا، إدموند. والآن… حان وقت الحساب."
رفع يده، وتحرّك الخيط الأبيض بين أصابع إدموند فجأة، كأنه حيّ.
ثم… انقطع.
دخل إدموند من الباب الأبيض، تتبعه خطوات الفتاة الصامتة.
لم يكن يعرف ما ينتظره، ولا حتى إن كان يمشي فوق أرضٍ حقيقية.
الجدران، الأرض، السقف... كل شيء كان ناصع البياض، حتى عينيه بدأت تدمع من شدة النقاء.
"أين أنا؟" تمتم.
قالت الفتاة بهدوء:
"أنت في بطن القصر. حيث تُخزن الذكريات المحظورة."
نظر حوله، لاحظ أن الجدران ليست فارغة كما ظنّ.
كانت مغطاة برسومات. لكنها لم تكن مرسومة بالحبر… بل بالظلال.
ظلال تتحرك ببطء، تُعيد مشاهد مكررة كأنها سجينة حلم دائم.
في أحد الجدران، رأى طفلًا يبكي أمام قبرٍ…
وفي الآخر، فتاة تركض بين حشود، تنادي اسمًا لا يُسمع.
ثم… في الجدار المقابل، رأى نفسه.
واقفًا تحت ضوء القمر الأزرق… خلفه المجسات.
أمامه سيف، وعيناه تنظران مباشرة إلى عينيه.
ارتجف.
لم يكن مشهدًا… بل انعكاسًا.
"لماذا أرى هذا؟" سأل بصوت متوتر.
"لأنك تحتاج أن تتذكر." أجابت الفتاة.
"قبل أن يسبقك الخيط، ويقودك إلى حيث لا عودة."
اقتربت منه، همست وكأنها تخشى أن يسمعها الجدار:
"الرجل ذو المجسات… ليس كابوسًا، بل عقدة.
وأنت، يا إدموند… أنت خُلقت لتفك العقد."
ثم أشارت نحو نهاية الممر.
كان هناك باب صغير، خشبي، يتناقض مع بياض المكان.
"ادخله إن كنت مستعدًا. لكن تذكر… الباب لا يُفتح مرتين."
تردد. قلبه يدق كأن هناك طبلًا صغيرًا بداخله.
لكنه مشى. اقترب من الباب.
مدّ يده… ولمّا لامست المقبض، سمع صوتًا خلفه:
"إن دخلت، ستموت نسختك القديمة."
استدار.
لكن الفتاة اختفت.
وظلّ فقط… ظلّه.
فتح الباب.
وما إن عبر العتبة، حتى شعر وكأن الهواء تغيّر.
صوت الريح تغيّر.
حتى رائحة العالم… أصبحت مختلفة.
وجد نفسه في حديقة مظلمة.
السماء مغطاة بقمر أحمر هذه المرة.
وفي وسط الحديقة، جلس الرجل ذو الشعر الفضي والمجسات الحديدية، يحدّق فيه من بعيد…
وبجانبه، كرسي فارغ.
كرسيّ كان يبدو…
بالحجم المناسب تمامًا لإدموند.
---