خيط دليل - الفصل الثامن: دخول غرفة جديدة | روايتك

اسم الرواية: خيط دليل
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثامن: دخول غرفة جديدة

الفصل الثامن: دخول غرفة جديدة

خطى "إدموند" داخل القصر كانت ثقيلة، وكأن الأرض نفسها تُمعن في اختباره. بعد لقائه الغامض مع الفتاة ذات الشعر الفضي، لم يعُد شيء يبدو منطقيًا، لا العالم الذي تركه خلفه، ولا العالم الذي وُضع فيه الآن. كان الممر طويلاً، تغمره أضواء خافتة من شموع معلقة على الجدران، تتراقص ألسنتها في صمت كما لو أنها تهمس بأسرار هذا القصر. توقف إدموند أمام باب خشبي ضخم، مزخرف بنقوش دقيقة لطيورٍ بأجنحة سوداء وعيون ياقوتية. لم يكن يعرف لماذا شعر وكأنه يعرف هذا الباب من قبل، لكن قلبه بدأ يخفق بقوة حين مدّ يده ودفعه. صرير الباب وهو ينفتح كان أشبه بصرخة بعيدة، ومعها انكشفت أمامه غرفة شاسعة يغمرها ضوء أزرق باهت، يصبّ من نوافذ مرتفعة. في وسط الغرفة، وُضعت مرآة عملاقة يصل ارتفاعها إلى السقف، محاطة بأقنعة معلقة على الجدران، كلٌّ منها يحمل تعبيرًا مختلفًا... الغضب، الحزن، الرعب، البراءة. اقترب إدموند من المرآة. انعكاسه لم يكن طبيعيًا. في المرآة، كان يبدو أكبر سنًا، عيونه أعمق، ووجهه يحمل ندبة لم تكن موجودة على وجهه الحقيقي. خلفه في الانعكاس، وقف الرجل ذو الشعر الفضي والمجسّات الحديدية، تلك الهيئة التي رأى نفسها تهدده في الحلم. ولكن الرجل لم يتحرك، فقط اكتفى بالنظر إليه. همس إدموند في نفسه: "ما هذا المكان؟ ولماذا... أشعر وكأني عشت هنا من قبل؟" فجأة سمع صوتًا خلفه، ناعمًا كنسمة حزن: "تلك الغرفة ليست كما تبدو... كل من يدخلها يرى ظله الحقيقي." استدار، فإذا بها الفتاة ذات الشعر الفضي تقف عند الباب، نظراتها تحمل شيئًا غامضًا، كما لو أنها تعرف كل شيء ولا تستطيع قوله. قالت وهي تتقدم نحوه: "إن أردت أن تفهم ما يحدث... عليك أن تواجهه. لا المرايا، بل ما يختبئ خلفها." ثم أشارت نحو المرآة، حيث بدأت تنشق أطرافها ببطء، كأنها باب إلى بعد آخر... --- لم يستطع إدموند التراجع. كان الباب خلفه قد أغلق بإحكام، وكأن القصر نفسه قرر احتجازه في تلك الغرفة التي لم تكن تنتمي للواقع. اقترب أكثر من المرآة، وفي كل خطوة، تزداد البرودة من حوله كأن الهواء ذاته بدأ ينهار. الزجاج المشقق في المرآة صار ينبض ككائن حي، وانبعثت منه همسات خافتة بلغة لا يعرفها... لكن قلبه فهمها. "عد إلي... أنت تعرف من أنا." قالت الفتاة ذات الشعر الفضي بنبرة هادئة: "إدموند... هذه ليست مرآة. إنها بوابة. ولكن ليست أي بوابة... إنها مدخل إلى الأثر." التفت نحوها، حاجباه معقودان. "ما هو الأثر؟" ابتسمت الفتاة، ابتسامة حزينة هذه المرة، مختلفة عن مرحها الطفولي في الحديقة. ثم أجابت: "الأثر... هو ما تبقى من الحقيقة حين تنكسر. كل ما نسيته... كل ما كنت تخشاه... كل ما طاردك في أحلامك. كلها هنا، تنتظرك خلف هذا الزجاج." صمت، ثم نظر مجددًا نحو المرآة، حيث انعكاسه صار أغمق، كأنه ظلّ شخص آخر. نفس الملامح... لكن هناك شيء أكثر قسوة في عينيه. في لحظة خاطفة، تحرك الانعكاس من تلقاء نفسه، دون أن يتحرك هو. فجأة... مدّ يده من داخل الزجاج. يده هو... لكنها مغطاة بوشوم سوداء، ومرتجفة. صرخ إدموند وتراجع خطوة، لكن الفتاة أمسكت بيده قبل أن يسقط. "لا تخف. إذا لم تواجه نفسك... لن تستطع التقدم." ثم تابعت، بصوت خافت لا يكاد يُسمع: "الشيطان... لا يأتيك بقرونه، بل يأتيك بوجهك." ارتجف إدموند. تذكر الحلم. تذكر الرجل ذو الشعر الفضي والمجسات الحديدية. كان يطارده. يقترب منه كل ليلة. والآن، لم يعُد حلمًا. هو هنا. داخل هذا المكان. خلف هذه المرآة. اقترب ثانية. هذه المرة ببطء، بحذر. وعندما لامس سطح الزجاج بأطراف أصابعه، لم يكن باردًا. كان حيًا... نابضًا. وتبع ذلك سحب مفاجئ، لم يكن له وقت ليفكر. جسده اخترق الزجاج، وسقط في العدم. ... فتح عينيه. لم يعُد في القصر. كان واقفًا وسط صحراء زرقاء، تمتدّ إلى ما لا نهاية. السماء فوقه بلا شمس، بل قمر أزرق واحد، ضخم، يشبه العين. ومن بعيد... سمع صوت المجسات الحديدية وهي ترتطم بالرمال. عاد الرجل ذو الشعر الفضي. لكن هذه المرة... لم يكن وحده. كان يقف خلف إدموند — ذلك الانعكاس. نفسه... لكنه من عالم آخر. والصوت الذي لطالما سمعه في الكوابيس، نطق أخيرًا باسمه: "مرحبًا... أنا أنت، من اللحظة التي ستخون فيها كل شيء." تراجع إدموند خطوة إلى الوراء، لكن الرمال تحته لم تمنحه الاستقرار. كان صدى خطوات ذلك الرجل يقترب، والمجسات الحديدية تهمس بلغة لا يفهمها، لكنها تدغدغ روحه بالخوف. رفع إدموند عينيه إلى القمر الأزرق، وكان يتوهج بشدة كما لو أنه يغلي، يحترق... يراقب. "لماذا أنا؟" سأل بصوت خافت. ولأول مرة، أجاب الظل الذي يشبهه: "لأنك الوحيد الذي تملك الخيط." "أي خيط؟" صرخ إدموند، لكن لا أحد أجابه. كل شيء انمحى. وعاد الصمت. ثم... همسة. صوت الفتاة، من مكان بعيد جداً: "استيقظ... قبل أن يبتلعك الدليل." فتح عينيه فجأة. كان مستلقيًا على الأرض الرخامية في نفس الغرفة داخل القصر. لا مرآة. لا ظل. لا مجسات. لكن بين أصابعه... كان هناك خيط أبيض رفيع، بالكاد يُرى. كان ينبض. .....