الفصل السابع: قلب القصر الصامت
خطواته على الممر الحجري داخل الحديقة كانت أهدأ من أن يسمعها أحد، لكنه شعر أن كل وردة وكل حجر تحت قدميه يراقبه بصمتٍ غريب.
رائحة الشاي والنعناع تملأ الجو، والهواء بارد رغم دفء الشمس.
كانت الفتاة ذات الشعر الفضي جالسة على كرسيها المعتاد، تحيط بها ثلاث خادمات لا يحركن ساكنًا، كأنهن تماثيل في عرض مسرحي هادئ.
لكن ما حيّره أكثر هو أن الفتاة نظرت إليه وكأنها تعرفه منذ زمن.
"مرحبًا بك، السيد إدموند."
قالت الجملة وكأنها تقرأها من نصٍ مكتوب سلفًا.
اقترب، تردد في الجلوس على الكرسي المقابل، لكنها أومأت له برأسها، كأنها تجيز له ذلك دون كلمات زائدة.
"من أنتِ؟"
سأل بصوت خافت، لكنه لم يتوقع جوابًا مباشرًا.
قالت:
"أنا مجرد بداية… ولست إلا ظلًا من انعكاس. لكنني أنتظر هنا منذ أن كنت طفلًا، منذ أول خيط تم شدّه من روحك."
ابتسمت برقة، ثم أضافت:
"وأنتَ تأخرت كثيرًا."
نظر إليها بعينين ممتلئتين بالأسئلة، لكنه لم يكن يعرف أي سؤال هو الأهم.
قال بعد صمت:
"هل أنتِ حقيقية؟"
ضحكت ضحكة قصيرة، بريئة بشكل مخيف.
"هل تظن نفسك الآن في حلم؟"
سكت.
قالت:
"القصر ليس مكانًا… بل لحظة. لحظة بين النسيان والتذكّر. أنت الآن في المنتصف."
أراد أن يسأل عن "النصف الآخر"، لكن الباب الكبير خلف الفتاة فُتح بصوت بطيء كأن الزمن نفسه هو من يدفعه.
خرجت من الباب امرأة طويلة ترتدي فستانًا رماديًا قديمًا، وجهها غير واضح، يتلاشى في الضوء كلما حاول التركيز عليه.
قالت الفتاة الصغيرة:
"أمينة القصر ستأخذك الآن. الوقت يضيق، والخيوط بدأت تشتد."
---
دخل القصر خلف المرأة الصامتة.
كل شيء في الداخل بدا ضخمًا، أكثر مما يمكن أن يحتويه المنزل من الخارج.
أروقة لا تنتهي، سلالم تصعد ثم تنزل دون منطق، ولوحات معلقة لوجوه باهتة.
لكن ما شدّ انتباهه أكثر من كل شيء... هو الصوت.
كان هناك صوت خفيف، يشبه الخربشة على الزجاج، يأتي من كل الجدران.
كأن أحدهم يكتب.
"ماذا يُكتب هنا؟" سأل المرأة.
توقفت فجأة، ثم تكلمت لأول مرة:
"الذين اقتربوا قبلك... تركوا كلماتهم. كل كلمة محفورة هنا… في العظام."
ثم واصلت السير.
---
توقفت أمام باب خشبي رمادي.
"هذا هو قلب القصر."
"وما الذي يوجد داخله؟"
"أول خيط… وأول كذبة."
ثم اختفت، كما لو أن الضوء ابتلعها.
---
فتح الباب.
في الداخل، غرفة صغيرة، لا تحتوي إلا على مرآة ضخمة تقف وسطها، بدون إطار، بدون انعكاس.
إدموند وقف أمامها.
لم يرَ وجهه… بل رأى نفس الغرفة التي حلم بها في "ساحة المرايا".
لكن هذه المرة، لم يكن وحده في الانعكاس.
خلفه... كان يقف الرجل صاحب المجسات.
قريبًا جدًا، لكن بلا صوت، بلا ظل.
قال إدموند، وكأن شيئًا دفعه للنطق:
"من أنت؟"
فردّ الصوت من المرآة:
"أنا خيطك المقطوع."
"ماذا تريد؟"
"أن تتذكّر… أو تنسى إلى الأبد."
ثم… بدأ الزجاج يتشقق.
---
سقط إدموند أرضًا، كل شيء يهتز من حوله، الضوء يختنق، والهواء يزداد ثقلاً.
لكن قبل أن ينكسر الزجاج تمامًا، ظهرت أليز فجأة داخل الغرفة، سيفها مشعٌ بنور باهت.
"ليس الآن!" صاحت، وضربت الأرض بسيفها.
انفجر الضوء.
---
استفاق إدموند على الأرض، في ذات الحديقة، والخادمات يسرن ببطء حوله.
الفتاة الصغيرة لم تكن موجودة.
ولا أليز.
لكن في يده، وجد شيئًا جديدًا.
مفتاح.
قديم، صدئ، وعليه نقش صغير:
"الغرفة التي لم تُفتح بعد."
---