الفصل السادس: الغرفة التي لا تُفتح
بدأت الأيام تختلط، كما لو أن الزمن فقد قدرته على التنظيم.
إدموند لم يعد يعرف هل يعيش... أم ينتظر أن يستيقظ.
كل ما حوله صار غريبًا، حتى صوته حين يتحدث مع نفسه لم يعد مألوفًا.
كل مرآة في المنزل بدأ يتجنب النظر إليها. ليس خوفًا من أن يرى وجهه… بل خوفًا من أن يرى شيئًا آخر.
وبين كل ما تغير، بقي شيء واحد ثابتًا:
الخيط.
كان الخيط الفضي الصغير الذي وجده في الشارع، لا يزال في جيبه.
لكنه لم يعد مجرد خيط.
في كل مرة يلمسه، يشعر بنبضٍ خافت… كما لو كان قلبًا صغيرًا ينبض بصبر.
---
في مساء اليوم الرابع، وبينما هو مستلقٍ على الأريكة، شعر ببرودة في الهواء، كأن نافذة قد فُتحت.
نهض ببطء. كل شيء كان صامتًا بشكل مريب.
توجه نحو الممر.
وهناك... في نهاية الممر المؤدي لغرفة لم يستخدمها منذ أشهر، رأى الضوء.
ضوء أزرق باهت، يتسلل من أسفل الباب.
الغرفة كانت مغلقة دائمًا.
لا يتذكر متى أو لماذا… فقط أن المفتاح ضاع منه قبل سنوات.
اقترب.
مدّ يده نحو المقبض...
وكان مفتوحًا.
---
داخل الغرفة، لم يكن هناك ما يتوقعه.
كانت خالية من الأثاث.
لكن جدرانها… كانت مليئة بالرموز.
رموز غريبة محفورة في الخشب والجص، وكأنها كُتبت منذ زمن طويل.
اقترب من أحد الجدران، مدّ إصبعه نحو رسمٍ معين: دائرة تتوسطها عين، يخرج منها أربعة خطوط ملتوية.
ما إن لمسها... حتى انجذب الضوء الأزرق نحوه.
ثم، كأن الحلم قفز من داخله ليبتلع الواقع، سقط إدموند فجأة وسط ضوء كثيف.
---
عندما فتح عينيه، لم يكن في منزله.
كان يقف في ساحة ضخمة، محاطة بأعمدة حجرية عالية، وكل عمود يحمل فوقه تمثالاً مغطى بالقماش.
السماء فوقه مليئة بالغيم، لكنها ليست سماء حقيقية… بل كأنها مرآة من دخان.
وفي المنتصف... كانت تقف أليز.
لكنها لم تكن وحدها هذه المرة.
إلى جانبها، كانت تقف فتاة أخرى، شعرها أسود كالليل، وعيناها رماديتان.
قالت أليز بنبرة هادئة:
"أنت متأخر يا إدموند."
ردت الفتاة السوداء:
"لكنه وصل."
اقترب منهما، يشعر بأن الأرض نفسها تخاف أن تصدر صوتًا.
"ما هذا المكان؟"
أجابت أليز:
"ساحة المرايا. المكان الذي تحفظ فيه الأحلام المنسية."
قالت الأخرى:
"وكل من يدخلها… يرى نفسه كما لم يره من قبل."
ثم فجأة، تحركت التماثيل فوق الأعمدة.
القماش تساقط، كاشفًا وجوهًا…
وجوه إدموند.
لكنها ليست نفسها.
وجهٌ يضحك بجنون.
وجهٌ يبكي بدموع من حبر أسود.
وجهٌ بارد، يشبه الرجل صاحب المجسات.
ووجهٌ يضع خوذة حديدية ويقف في ساحة معركة.
قالت أليز:
"كلها أنت. في احتمالات مختلفة… في أزمنة لم تعشها، لكنك كنت مرشحًا لها."
اقترب وجه الرجل صاحب المجسات من الحافة، نظر نحو إدموند وقال بصوت لا يمكن أن يكون إلا صوته:
"كل خيط... يقود إلى ظل."
ارتجت الساحة، وعاد الضوء الأزرق يحيط به.
---
استفاق مجددًا.
لكن الغرفة لم تكن خالية كما كانت.
على الحائط، تحت الرسم الذي لمسه، كانت هناك كلمات جديدة محفورة بعمق:
"حين ترى كلّ وجوهك، تبدأ رحلتك الحقيقية."
---
في اليوم التالي، قرر أن يخرج.
توجّه نحو المنزل الذي يظهر دائمًا في أحلامه، ذلك القصر ذو الحديقة الكبيرة.
ولأول مرة، حين وقف أمام الباب الحديدي، وجده مفتوحًا.
دخل ببطء.
الحديقة كما تذكّرها. الطاولة ذاتها.
والفتاة الصغيرة الفضية… تجلس في هدوء، تشرب الشاي.
لكن هذه المرة… نظرت إليه مباشرة، وابتسمت.
وقالت:
"مرحبًا بك، السيد إدموند. لقد تأخرت كثيرًا."
---