الفصل الرابع: صدى الخطوات المنسية
مرّت أيام قليلة منذ الحلم الأخير، لكن في قلب إدموند، بدا الأمر وكأنه مسّ شيئًا عميقًا، شيئًا كان نائمًا منذ وقت طويل… واستيقظ.
كان يقضي وقته محاطًا بالكتب، يدون في دفتر صغير كل ما يراه في أحلامه، يرسم فيها المجسات، القمر الأزرق، وحدود الحديقة التي باتت تتكرر في رؤاه.
لكن أكثر ما أربكه... كانت هي.
الفتاة ذات الشعر الأبيض، والسيف الذي يشقّ الهواء كما لو كان يحمي شيئًا أعظم مما يفهم.
منذ ذلك الحلم، لم تعد تظهر.
لكن الريشة... كانت لا تزال على طاولته.
ذات مساء، بعد أن غربت الشمس، خرج يتمشى في شوارع الحيّ، هربًا من صمت الغرفة الثقيلة.
كانت السماء ملبدة، والهواء مشبع برائحة المطر المرتقب.
لكنه سمعها.
خطوات خفيفة، خلفه.
توقف.
لا أحد.
تابع السير.
ثم سمعها مجددًا... خطوات شخص يعرف كيف يُخفي نفسه، لكنه لا يريد الاختفاء تمامًا.
استدار فجأة.
لا شيء.
لكنه لاحظ شيئًا صغيرًا على الأرض.
خيط فضي، رفيع، يلمع تحت عمود الإضاءة كما لو أنه دُلّي من سماء أخرى.
انحنى والتقطه.
ما إن لمسه... حتى غرق كل شيء في صمت تام.
---
فتح عينيه.
ها هو الحلم يعود... لكن هذه المرة لم يكن في الحديقة.
بل في ممر حجري طويل، بلا جدران، يطفو في فراغ لا نهائي.
السماء سوداء، لكن أمامه كان ضوء القمر الأزرق يلمع في نهاية الممر، كدعوة لا تُقاوم.
تقدم.
في كل خطوة، ترددت أصداء قديمة، كأن الممر يتذكر كل من مرّ عليه.
ثم… سمع صوتها.
هادئ، لكن واضح.
"إدموند."
استدار.
كانت هناك.
واقفة بثبات، يدها على مقبض السيف، شعرها الأبيض الطويل يتحرك رغم غياب أي ريح.
"أنت من جديد..." قال، صوته مختلط بين الراحة والحيرة.
اقتربت منه، نظرتها حادة كأنها تقرأ أفكاره.
"أنت تقترب من النواة."
"النواة؟"
"ذاكرتك. حقيقتك. أنت لم تنسَ فقط... أنت أُجبرت على النسيان."
سكتت للحظة، ثم أضافت:
"وذلك الذي يطاردك، لا يريد قتلك... بل يريدك أن تظل تائهاً إلى الأبد."
"لماذا؟"
"لأنك رأيت شيئاً... لا يُسمح لأحد بتذكّره. ولأنك هربت منه، فهو يحاول إعادتك."
"إعادتي إلى أين؟"
قالت بنبرة ناعمة، وفي عينيها لمع ضوء خافت:
"إلى البداية... حيث كانت الحقيقة مجرد خيط."
---
ثم بدأت الأرض تهتز.
تشققات تنمو على الممر الحجري.
"يجب أن تفيق الآن!" قالت وهي تمسك يده بشدة.
"ولكن... من أنت؟!" صرخ إدموند.
أجابت أخيرًا، قبل أن يتلاشى كل شيء:
"اسمي... أليز. وأنا كنت آخر من تبع الخيط قبلك."
---
استفاق إدموند في سريره، يتنفس بصعوبة.
يده كانت ممدودة... تمسك شيئًا.
كانت قطعة صغيرة من الحجر الداكن…
كأنها جزء من الممر الذي مشى عليه في الحلم.
---