خيط دليل - الفصل الاول: الباب المفتوح | روايتك

اسم الرواية: خيط دليل
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الاول: الباب المفتوح

الفصل الاول: الباب المفتوح

الليالي تكرر ذاتها، وكأن الزمن لا يتحرك سوى في دائرة مغلقة لا بداية لها ولا نهاية. كلما أغمض عينيه، وجد نفسه هناك—في نفس الحلم. في ظلال مدينة لا تُشبه أي مدينة عرفها، تحت سماء رمادية كئيبة لا تعرف الشمس، يقف الرجل الغريب. ثلاثيني الملامح، هادئ كالصمت، يرتدي سترة جلدية رمادية اللون تلمع تحت ضوء لا مصدر له، ويداه دائماً في جيبيه كأنهما سجينتان فيهما إلى الأبد. شعره فضي، أشبه بوميض القمر في ليلة عاصفة، ينسدل على جبينه بتمرد. لكن ما يرعب ليس ملامحه الباردة... بل تلك المجسات الحديدية الثمانية التي تخرج من ظهره وتتحرك كأن لها حياة خاصة بها. "سوف ألحق بك... عاجلاً أم آجلاً." همس الرجل، ثم بدأت المطاردة. يركض، يلهث، يختبئ بين جدران لا يعرفها، يظن أنه نجا، ثم يلتفت... ويجده هناك، على بعد خطوة. وفي كل مرة، يستيقظ بذات الشعور—الخوف الملتصق بالجلد، والعرق البارد يغرق الوسادة. لكن هذه المرة، عندما فتح عينيه، لم يكن في غرفته. كان واقفاً أمام بوابة حديدية مزخرفة، تؤدي إلى حديقة فسيحة تُحيط بمنزل فخم الطراز. الورود البيضاء تتفتح برقة على جانبي الممر الحجري، وأصوات العصافير تعزف لحن الصباح. هذا المكان... لقد رآه من قبل. نعم، في كل حلم. لكنه لم يعبر الباب قط. لطالما تراجع. لكن هذه المرة، كان الباب مفتوحاً. بخطى مترددة، تقدم. الممر بدا أطول مما هو عليه. خطواته تُحدث صدى غريب، وكأن الأرض نفسها تراقبه. ثم، رآها. فتاة صغيرة، في عمر الزهور، شعرها فضي كلون الثلج، طويل يُلامس الأرض، وعيناها بلون البنفسج الباهت. كانت جالسة على كرسي أنيق بجانب طاولة شاي مزخرفة، وأمامها عدة خادمات يقفن بهدوء كأنهن تماثيل. رفعت الفتاة رأسها، وحدقت فيه. ثم ابتسمت. "لقد تأخرت كثيراً." كان صوتها ناعماً، كأن الرياح همست به في أذنه. ومع ذلك، لم تحمل نبرتها أي عتب... بل شيء آخر، أشبه بالتسليم، كأنها كانت تعرف أنه سيأتي، عاجلاً أم آجلاً. تجمد مكانه. "من... أنتي؟" أجابت دون أن تغير ملامحها: "السؤال الحقيقي هو: من أنت؟" كلماتها اخترقت عمق صدره. للحظة، شعر أن الأرض تميد من تحته. لم يعد متأكداً... من هو؟ هل اسمه حقاً كما يظن؟ هل حياته خارج هذا المكان كانت حقيقية؟ أم أنه استيقظ لتوه من حلم أطول؟ بدأت تفاصيل حياته تتلاشى في ضباب أفكاره، كما تتلاشى الصور القديمة تحت ضوء الشمس. "ألم تسأم من الركض؟" سألت وهي ترفع فنجان الشاي إلى شفتيها. تردد في الإجابة، ثم تمتم: "ذلك الرجل... الذي يطاردني... من يكون؟ ولماذا...؟" وضعت الفتاة الفنجان بهدوء، وأشارت بيد صغيرة ناعمة إلى المقعد المقابل. "اجلس أولاً. لن يمكنك الاستماع جيداً إن كنت واقفاً." وكأن لقدمَيه إرادة غير إرادته، تقدّم بخطوات بطيئة وجلس. الخادمات لم يتحركن. وجوههن بلا تعبير، عيونهن مطرقة نحو الأرض. واحدة منهن كانت تمسك إبريق شاي وكأنها ستسكب، لكنها لم تتحرك منذ دخل. "أنت تسأل من هو، وأنا أقول لك... هو ظلك." "...ظلي؟" "نعم، الظل الذي خلفته خلفك عندما قررت أن تعيش." ارتجف قلبه. "ماذا تقصدين؟ أنا حيّ... أعيش... أتنفس..." هزّت الفتاة رأسها بلطف، ثم قالت بصوت متهدج قليلاً: "كل مرة تنام فيها، تقترب أكثر من هذا المكان. وكلما اقتربت، أصبح هو أقوى." "لكنه يطاردني! يريد قتلي!" "لا. هو لا يريد قتلك... بل يريد أن تتذكر." "أتذكر ماذا؟!" عند هذه النقطة، هبّت نسمة غريبة. لم تكن باردة، ولم تكن حارة. لكنها حملت معها رائحة صدأ... رائحة معادن قديمة، كأنها قادمة من أعماق زمن منسي. ثم سمعها. تلك الخطوات... الثقيلة، المنتظمة. تطرق الأرض ببطء، بثقة. "إنه هنا..." تمتم دون أن يشعر. الفتاة لم ترتبك. بل قالت بهدوء وهي تضع يديها في حجرها: "إن دخل إلى هذا المكان، فذلك يعني أنك عبرت الباب حقاً. لن تعود كما كنت." حاول النهوض، لكن جسده رفض الطاعة. الحديقة بدأت تتغير أمام عينيه. الألوان بهتت. الخادمات تحوّلن إلى تماثيل رمادية، كأن الحياة سُحبت منهن. ثم... ظهر. من بين الأشجار، برز الرجل. نفس السترة، نفس الشعر، نفس المجسات التي تتحرك ببطء خلفه، كأذرع حيوان غريب من كابوس خالص. اقترب. "مرحباً... أخيراً، قررت أن تتوقف عن الهروب." صوته لم يكن غاضباً، بل كان يشبه صوته هو نفسه... كأن النسخة الأخرى من ذاته تحدثه. "ماذا تريد مني؟!" صرخ، رغم أنه لم يعرف كيف خرج صوته. الرجل لم يجب. بل أخرج إحدى يديه من جيبه، وأشار إلى الفتاة. "من الأفضل ألا تضع ثقتك في من يشرب الشاي وسط الجحيم." تغيّرت ملامح الفتاة فجأة. لم تعد طفلة. في لحظة خاطفة، أصبحت أكبر سناً. شعرها أصبح أكثر سواداً في الأطراف، عيناها احمرّتا قليلاً، وابتسامتها اتسعت. "الآن، أصبحت اللعبة حقيقية..." قالت، ثم اختفى صوتها، كأن الهواء ابتلعها. وهو... ظل جالساً هناك، بين رجل لا يعرف من يكون، وفتاة لم تعد كما كانت، في حديقة تتآكل من حوله. .....