8 : حين تبوح الذاكره بالصوت والصورة
الفصل الثامن: حين تبوح الذاكرة بالصوت والصورة
جلس رائد وحده في مكتبه بعد ما خرجت ليان. الفلاش الصغير كان قدامه كأنه سيف مسموم، كلما قربه منه... حس إنه هيكسر حاجة جوه.
ضغطه بين إيديه، وتردد… لكنه في النهاية، وصله بجهاز غير متصل بأي شبكة، فقط شاشة، ونظام تشغيل معزول.
فتح الملف الأول… فيديو.
الصورة كانت مهزوزة، لكن الصوت واضح.
[تاريخ: 2007 | الموقع: غير معروف]
الرائد جمال الصفواني، شاب في أوائل الأربعينات، واقف قدام مجموعة من الضباط، ومعاهم امرأة معصوبة العينين.
صوت شخص خلف الكاميرا بيقول:
"هي دي اللي سربت الوثائق؟"
جمال قال بهدوء:
"بتدّعي إنها كانت بتحمي طفلها… بس الحقيقة إنها كانت بتشتغل لحساب جهة تانية، جهة بتدفع أكتر."
امرأة من المجموعة ردّت:
"بس ما فيش إثبات مباشر…"
جمال قاطعها:
"يبقى نمسح اللي حصل، ونقول إنها ماتت أثناء المطاردة. ونبعِد البنت لدور الرعاية."
رائد اتجمد.
صوت أمه زمان كان دايمًا يقول له:
"أبوك راجل شريف… بس فيه حاجات مش لازم تسأل عنها."
الفيديو انتقل إلى لحظة صامتة، فيها الطفلة – ليان – بتصرخ، وبتجري ناحية أمها، لكن بيتشالَت ويتقفل الباب الحديدي.
رائد وقف فجأة، قلبه اتقبض، مسح عرقه، وقف قدام الشباك، يتنفس بصعوبة.
أبوه... كذب عليه. عمره ما حكى عن العملية دي، ولا عن بنت كانت موجودة وقتها.
رجع تاني للفيديوهات، فتح ملف صوتي مسجل بتاريخ بعد الحادثة بسنتين.
صوت جمال بيقول:
"البنت بدأت تظهر علامات نبوغ غير طبيعي. قدرت تخترق نظام الحماية بتاع الدار. لو كملت على كده… هتبقى خطر حقيقي في المستقبل.
بس أنا مش هقدر أمد إيدي عليها… لأنها شبه أمها بالضبط."
رائد قفل الجهاز بعنف.
الشك بدأ يبني قصر جوه قلبه.
---
اليوم التالي، الساعة 5 فجرًا.
رائد كان بيراقب ليان عن بعد. لبست لبس مدني، وركبت تاكسي، واختفت بين أزقة القاهرة القديمة.
استعان بفريق مراقبة خاص من الأمن السيبراني، دون ما يبلغ أحد.
لكن اللي شافه صدّمه.
ليان كانت داخلة مخزن مليان معدات اتصالات، وتكلمت مع شخص غريب الشكل، مش مصري، بيبان عليه أنه أوروبي.
صورهم، راقب تحركاتها، راقب ضحكتها، سكونها، لهفتها وهي بتسأل، وهدوءها وهي بتحصل على رد.
ما كانتش بتعمل حاجة غلط… كانت بتدوّر على إجابات.
---
اليوم الثالث
رائد استدعاها لمكتبه.
قال لها بدون مقدمات:
"الفيديوهات… شفتهم.
أنا آسف… ومش هطلب منك تسامحي حد، بس لازم تعرفي إنك مش لوحدك."
ليان اتفاجئت. لأول مرة، شافت في عيونه الضعف… مش ضعف رجل، لكن ضعف الحقيقة لما تطلع من تحت ركام السنين.
قالت بهدوء:
"أنا ما كنتش بدور على حد يساعدني… كنت بدور على العدل."
ردّ، بنبرة فيها شيء جديد، شيء شخصي:
"وأنا بدور على نفسي… يمكن تلاقيني لما توصلي للي بتدوري عليه."
سكتت، لأول مرة ما ردّتش بسرعة.
هو كمل:
"أنا معاكِ من دلوقتي. بس لو مشيتِ في الطريق دا، هتفقدي حاجات كتير… ويمكن نفسك."
قالت بنظرة نار:
"أنا فقدت نفسي زمان… دلوقتي أنا بس بسترجعها."
---
وفي الخلفية…
شخص غامض بيراقبهم من بعيد، على شاشة مراقبة.
يضحك ضحكة خفيفة، ويهمس:
"ابن الصفواني وقع في الفخ… والبنت؟ لسه ما شافتش وش الموت الحقيقي."
---