الفصل الرابع:فريق زهرة اللوتس
بينما عبروا بوابة غابة الوهم، ابتلعهم الظلام كدوامة لا نهاية لها. لم يكن مجرد غياب للضوء، بل كان كيانًا ينبض بالحياة، يزحف على حواف وعيهم. الأشجار السوداء انتصبت كأعمدة كابوسية، أوراقها المتجسدة كظلال تتراقص بصمت، بينما أزهارها الداكنة تومض ببريق بنفسجي غامض، كأنها تهمس بأسرار خفية. الهواء مشبع برائحة غريبة، مزيج من عبق الطبيعة والمانا المكثفة، مما جعله ساحرًا، لكنه خانق في الوقت نفسه.
"مرحبًا بكم في الحديقة السوداء." قالت إيا بصوت منخفض، ناظرة حولها بحذر، عيناها الذهبيتان تعكسان ضوء الأزهار الباهت.
توقف الجميع، التوتر يسري في أجسادهم. تقدمت إيا خطوة للأمام، نبرتها محكمة لكنها تحمل نذير خطر. "هذه الغابة مقسمة إلى أربعة أجزاء رئيسية: الحديقة السوداء حيث نقف الآن، يليها ممر بوابة الهاوية، ثم الهاوية ذاتها، وأخيرًا ذروتها... المكان الذي لم يعد منه أحد."
رفع شادو حاجبًا وهو يضع يديه في جيبيه بكسل مصطنع، نبرته مشوبة بسخرية هادئة. "أوه، عظيم. مجرد مكان لم ينجُ منه أحد، يبدو هذا واعدًا جدًا."
"لماذا علينا الذهاب إلى هناك أصلًا؟" تساءل ماكوتو، نبرته هادئة، لكن عيناه المختلفتا اللون عكستا يقظة حادة، وكأنهما تحللان كل تفصيلة في المكان.
إيا ابتسمت، لكنها لم تكن ابتسامة طمأنة، بل ثقة مغمورة بالغموض. "لسبب بسيط جدًا. الحديقة السوداء وممر الهاوية يحويان كنوزًا لم تُكتشف بالكامل، بينما الهاوية نفسها لا تزال لغزًا غير مكتمل. وهذا يعني فرصة لا تعوض."
أندي ابتسم بدوره، ابتسامة جانبية وهو يمرر أصابعه على مقبض سيفه. "حسنًا، لا أحد يرفض كنزًا مجانيًا."
لكن قبل أن تكتمل كلماته، اهتزت الأرض تحت أقدامهم، كأن الغابة نفسها ردت على جرأتهم بدقات تحذيرية.
انطلقت زئير خافت لكنه عميق، كأنه قادم من أعماق الظلام نفسه. من بين الأشجار السوداء، بدأت مخلوقات ضخمة تتشكل، كأنها ظلال انفصلت عن محيطها وأصبحت كائنات مستقلة. لم يكن لها أعين، فقط أجساد تتلوى في الظلام، وأنفاسها الثقيلة تملأ الأجواء برهبة غامضة. صوت مخالبها وهي تمزق الأرض كان كافيًا ليجعل الجميع يتأهب، فهؤلاء لم يكونوا مجرد وحوش عادية.
"انتبهوا، هذه الوحوش عمياء، لكنها تعتمد على حاستي الشم والسمع." حذرت إيا، صوتها حازم، بينما رفعت سيفها المغلف بهالة ذهبية.
"هذا يعني..." تمتم شادو، لكنه اختفى قبل أن يكمل جملته، مستخدمًا الانتقال الآني ليظهر في مكان آخر. أطلق رصاصة من بندقيته، لكن مسارها لم يكن مستقيمًا، بل بدا وكأنها تمتلك إرادة خاصة، ملتفة في الهواء قبل أن تخترق جمجمة أحد الوحوش، ليهوي بلا صوت.
"جميلة." علّق ماكوتو بابتسامة خافتة وهو يسحب سيفيه. "لكن دعني أريك شيئًا أكثر إثارة."
قفز في الهواء، ممسكًا بسيفه الضخم "السيف المدمر"، وانقض به كنيزك ساقط. اصطدمت شفرة السيف بالأرض، فأطلقت موجة صدمة مزقت الوحش أمامه إلى نصفين، تاركة سحابة من الغبار الداكن تتراقص في الهواء.
في نفس اللحظة، ارتفعت إيا إلى السماء، جناحان من نار ذهبية اشتعلا خلفها، مما جعلها تبدو ككيان سماوي وسط هذا الظلام الدامس. لوّحت بسيفها، مشكّلةً هالة ذهبية حوله قبل أن تهوي كالشهاب، تقطع أحد الوحوش بضربة واحدة. اللهب الذي تبع السيف لم يكن مجرد نار عادية، بل كان كأنه نور مقدس يُمزق حجاب الظلام.
أما أندي، فقد ظل واقفًا بهدوء، يراقب تحركات خصومه بعين حادة. ثم فجأة، اشتعلت عيناه باللون الأسود الداكن وهو يفعّل "عين الشر"، ليخلق نسخًا وهمية من نفسه. ترددت الوحوش للحظة، مشوشة بفعل الأوهام، ولم تدرك الخدعة إلا عندما اندفع أندي نحو أحدها مستخدمًا "النسخ البدائي"، مقلدًا حركة ماكوتو وساحقًا رأس المخلوق بكتلة من الظلام المتجسد.
لم يتوقف عند ذلك، بل التفت نحو وحش آخر، وعيناه تلتمعان بدهاء. هذه المرة، قلد تقنية إيا، "أجنحة العنقاء"، لكن بدلًا من النار، تجسدت أجنحته من الظلام الخالص. ارتفع في الهواء بسرعة، جسده يدور ليشكل حلقة سوداء ضخمة، قبل أن يهوي بقوة ساحقة على وحشين دفعة واحدة، ممزقًا إياهما كما لو أن شفرات الليل ابتلعتهما.
بينما كان أندي يستعيد توازنه، شعر بهواء ثقيل خلفه، استدار بسرعة ليرى وحشًا يندفع نحوه بمخالبه الممدودة. قبل أن يتمكن من التحرك، دوى صوت طلق ناري، واخترقت رصاصة رأس الوحش، لتتركه ينهار بلا حراك.
قهقهة مألوفة صدرت من الخلف. "ألم تقل إنك لن تنقذنا إلا لو أوشكنا على الموت؟" قال أندي وهو يضحك، ينظر إلى شادو الذي كان يقف مسترخيًا، بندقيته لا تزال مشتعلة من أثر الطلقة.
"تعلم أني لن أترككم تموتون على يد وحوش ضعيفة، أليس كذلك؟" أجابه شادو بابتسامة جانبية، وكأن الأمر كان مجرد تدريب بالنسبة له.
لكن قبل أن يتمكنوا من تبادل المزيد من الكلمات، قاطعهم صوت هدير أعلى من سابقه، كأنه زلزال قادم.
"جميل جدًا..." قال ماكوتو وهو يعيد سيفه الضخم إلى ظهره، ويسحب سيفه العادي، نظرة قاتمة ترتسم على وجهه. "لكن هناك المزيد قادم."
ومن بين الأشجار، بدأت الظلال تتحرك مجددًا...
واستمرت المعركة حتى لم يبقَ شيء يتحرك في الغابة غيرهم، بينما كان الهواء لا يزال ينبض برائحة المعركة.
بعدما وضعت المعركة أوزارها، كانت أنفاسهم لا تزال متقطعة، وأجسادهم مثقلة بالإرهاق، لكن أعينهم بقيت يقظة، تمسح المكان بحثًا عن أي تهديد جديد. الأرض حولهم كانت ممتلئة بجثث الوحوش، والهواء مشبع برائحة الدم والتراب المحترق.
"لم ينتهِ الأمر بعد، أمامنا المرحلة التالية." قال أندي وهو ينفض الغبار عن يده، لكن نظرته كانت تائهة للحظة، وكأنه يستشعر شيئًا غير طبيعي في الأجواء.
بدأت رحلتهم في البحث عن المعدات وسط الحديقة السوداء، مكان اشتهر بكونه أشبه بمتاهة طبيعية، حيث الأشجار العملاقة تتشابك لتصنع ممرات ضيقة، والضباب الكثيف يعوق الرؤية، بينما الأفخاخ المخبأة تنتظر أي خطوة خاطئة. كل صوت، حتى همسات الريح بين الأوراق، كان يحمل معه إحساسًا بالخطر الكامن.
لكن بعد ساعات من البحث، وبينما كانوا يسيرون بحذر في ممر حجري مغطى بالطحالب، وجدوا أخيرًا ما كانوا يسعون إليه—كنوز نادرة متناثرة بين أنقاض معبد قديم.
أندي تقدم والتقط قطعة معدنية ذات تصميم معقد، كانت تبدو كأنها قطعة أثرية أكثر من كونها سلاحًا، لكنها بمجرد أن لامست يده، تخللتها شرارات خافتة من الطاقة.
"خنجر آشورا..." تمتم، محركًا أصابعه عليه. لم يكن مجرد خنجر، بل سلاح قاتل يمتص مانا الخصوم ويقوي مستخدمه. نظر إليه بتمعن قبل أن يضعه في حزامه قائلاً بابتسامة خافتة: "هذا سيوفر علي الكثير من الوقت في تفعيل تقنياتي."
على الجانب الآخر، إيا كانت تمسك بقطعة قماش سوداء تتلألأ كما لو كانت تعكس نورًا غير مرئي.
"عباءة العنقاء المظلمة..." قالت وهي تلمس النسيج الفريد، الذي بدا وكأنه ينبض بالطاقة. رفعت رأسها بابتسامة واثقة: "ستكون مفيدة في مباراة التصفيات القادمة في الأكاديمية."
أما شادو، فقد أمسك بقلادة فضية صغيرة، لم تبدُ مميزة للوهلة الأولى، لكنه شعر بتذبذبات خافتة منها، كما لو كانت تخفي قوتها الحقيقية.
"قلادة الاختفاء؟" همس، قبل أن يبتسم بخبث، وهو يرفعها لينظر إليها تحت ضوء القمر المتسلل بين الأشجار. ثم تمتم بسخرية مسموعة: "أخيرًا، حل للهروب من المواقف المحرجة."
إيا التفتت إليه مباشرة ورفعت حاجبها: "نحن سمعناك، تعلم ذلك، صحيح؟"
ضحك ماكوتو من بعيد بينما كان يرفع سيفًا أسود اللون، ينبض بطاقة شرسة كأنها تنتمي لعالم آخر.
"سيف الشيطان السفلي... هذا يناسبني أكثر من سيفي الحالي." قال بصوت هادئ، بينما يمرر أصابعه على النصل الحاد. ثم نظر إلى أندي وأضاف: "أعتقد أنني سأحمل ثلاثة سيوف من الآن فصاعدًا."
أندي، الذي كان لا يزال يتفحص خنجره، التفت إلى ماكوتو متسائلًا: "قلتَ إن أسلحة قبيلة آشورا تتغير أشكالها حسب رغبة المستخدم... كيف ذلك؟"
ماكوتو نظر إليه بثقة وقال: "جرب بنفسك. ضع قطرة من دمك على النصل وفكر في سلاح معين."
لم يتردد أندي، فجرح إصبعه بخفة، وسقطت قطرة من دمه على النصل. للحظة، لم يحدث شيء، لكن سرعان ما بدأ الخنجر يتوهج بلون قرمزي، قبل أن يتمدد ويتغير شكله، ليصبح نسخة طبق الأصل من سيفه الأول.
"واو..." تمتم، متفاجئًا.
ماكوتو ابتسم وقال: "أسلحة آشورا نادرة وغالية، لكنها لا تنكسر. هذه ميزة لن تجدها في أي سلاح آخر."
أندي حمل السيف الجديد في يده، وشعر بثقله المتوازن، ثم تمتم في داخله بارتياح: "أخيرًا... سلاح لا يستطيع لايت تحطيمه."
لكن قبل أن يتمادى في التفكير، بدأ يشعر بالتعب الشديد، وظهر عليه الإرهاق جليًا. نظر إلى فريقه، فوجدهم في حالة مماثلة—العيون نصف مغمضة، الأكتاف مثقلة، والأنفاس بطيئة.
"دعونا نرتاح قليلاً قبل أن ندخل القسم الثاني من الغابة." قال، ثم توجه إلى جذع شجرة كبيرة وجلس متكئًا عليها، مغلقًا عينيه للحظة، مستشعرًا برودة الليل تحيط به.
كانت النجوم تتلألأ في السماء، والغابة غارقة في صمت غريب، كأنها تحبس أنفاسها قبل العاصفة القادمة.
أما الآخرون، فجلسوا حوله، كل منهم غارق في أفكاره، مستعدين لمواجهة ما سيأتي بعد هذه الاستراحة القصيرة.
كانت السماء تتلألأ بالنجوم، تعكس ضوءها على الغابة المظلمة التي أحاطت بهم كعناق بارد. نسيم الفجر العليل تسلل بين الأشجار، يلامس وجوههم المنهكة بلطف، وكأنه يهنئهم على نجاتهم بعد ليلة حافلة بالمخاطر.
استلقى أندي على الأرض، يحدق في السماء بعينين نصف مغمضتين، بينما وضع ذراعيه خلف رأسه. تنهد بارتياح وقال بصوت هادئ: "لا أصدق أننا فعلناها."
إلى جانبه، كان شادو يحدق في النجوم أيضاً، لكنه ابتسم ابتسامة جانبية قبل أن يغمغم بسخرية: "وأنا لا أصدق أننا لم نُقتَل."
ماكوتو، الذي كان مستلقيًا مع يدين متشابكتين على صدره، ابتسم بهدوء وأغمض عينيه قائلاً: "إذا نجونا من هذا، فربما لن نموت أبدًا."
ضحكت إيا بخفوت، لكن إرهاقها كان واضحًا في صوتها، ثم أغلقت عينيها محاولة الاستمتاع بلحظة السكون النادرة هذه.
لكن السكون لم يدم طويلًا.
فجأة، اخترق الهواء صوت هادئ لكنه مملوء بالهيبة والسلطة، جاء من فوقهم مباشرة:
"حسنًا، حسنًا... أيها العباقرة الصغار، يبدو أنكم استمتعتم بليلة ممتعة."
تجمد الجميع في أماكنهم.
تصلب جسد أندي فورًا، بينما ارتفع حاجبا شادو ببطء وكأن عقله لم يستوعب بعد الكارثة التي سقطوا فيها.
إيا، التي بالكاد كانت قادرة على إبقاء عينيها مفتوحتين، اتسعت عيناها برعب وهمست بصوت شبه ميت: "لا يمكن أن يكون..."
أجابها الصوت نفسه، هذه المرة بنبرة ساخرة: "أوه، بل هو كذلك."
ببطء، استداروا جميعًا... وهناك، وسط الأشجار، وقفت الملكة بيغاسوس.
شعرها الذهبي انساب مع نسيم الفجر، ووجهها المشرق تحت ضوء القمر كان يحمل مزيجًا من السخرية والبرود. يداها كانتا متشابكتين خلف ظهرها، وعيناها الحادتان تخترقانهم كما لو كانت ترى في أعماق أرواحهم.
"هل يمكنكم شرح سبب وجودكم هنا؟ أم هل يجب أن أبدأ بعقابكم مباشرة؟"
ساد الصمت.
أندي ابتلع ريقه ببطء وهو ينظر إلى الآخرين. شادو، الذي كان سريع البديهة دائمًا، بدا وكأنه يحاول استدعاء قدرة الاختفاء خاصته دون جدوى. ماكوتو لم يحرك ساكنًا، وكأنه كان مستعدًا للموت. أما إيا، فقد أغمضت عينيها مجددًا وكأنها استسلمت لمصيرها.
أخذ أندي نفسًا عميقًا قبل أن يهمس بصوت بالكاد يُسمع: "حسنًا... نحن رسميًا في ورطة."
لكن بيغاسوس لم تكن تنتظر تبريرات. نصف ابتسامة ارتسمت على وجهها وهي ترفع يدها قليلًا.
في لحظة، أحاطت بهم قوة غير مرئية، رفعتهم عن الأرض كأنهم دمى صغيرة.
"أطفال؟! نحن محاربون أقوياء!" احتج أندي، محاولًا مقاومة القوة التي تحمله، لكن قبل أن يكمل كلامه، ارتفع في الهواء بسرعة وهو يصرخ: "مهلًا! هذا غير عادل!!"
شادو، الذي كان يحاول الإفلات، وجد نفسه يطفو إلى جانب أندي وهو يغمغم بيأس: "يا إلهي، كان يجب أن أهرب حين سنحت لي الفرصة..."
إيا أغمضت عينيها مستسلمة بالكامل، بينما تمتمت بصوت ضعيف: "على الأقل دعوني أنام..."
أما ماكوتو، فقد تنهد بثقل وقال بلا مبالاة: "حسنًا، هذا أفضل من المشي."
ابتسمت بيغاسوس وهي تراقبهم يتأرجحون في الهواء، ثم قالت بصوت هادئ لكنه لا يقبل الجدل:
"لنعد إلى القلعة، أيها الأطفال الأشقياء."
وبدون أي فرصة للمقاومة، تم جرّهم جميعًا عبر الغابة، يتمايلون في الهواء كأنهم دمى متحركة، بينما كانت بيغاسوس تتقدمهم بخطوات واثقة، وابتسامتها لم تفارق وجهها.