القطع المبعثرة - الفصل الثاني:حجر الصحوة - بقلم عبدالله(سولو) | روايتك

اسم الرواية: القطع المبعثرة
المؤلف / الكاتب: عبدالله(سولو)
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثاني:حجر الصحوة

الفصل الثاني:حجر الصحوة

كان الصباح في القلعة الملكية يحمل معه إشراقة ذهبية، حيث تسللت أشعة الشمس الدافئة عبر النوافذ الواسعة، لترسم لوحات من الضوء على الجدران المزخرفة. انتعشت الأجواء بنسيم الصباح العليل، الذي حمل معه مزيجًا من رائحة الخبز الطازج والقهوة الداكنة، ما أضاف لمسة من الحياة إلى أرجاء القاعة الملكية. وسط هذه الأجواء، كانت القاعة الملكية تعج بالحركة والنشاط. أصوات الضحك والمزاح تملأ المكان، وأحاديث متداخلة تتناثر بين أفراد العائلة المجتمعين حول طاولة الفطور الفاخرة. رغم الفخامة المحيطة، إلا أن الجو كان أقرب إلى جلسة عائلية دافئة من كونه مناسبة ملكية رسمية. في أحد زوايا الطاولة، جلس أندي محاولًا التسلل بصمت، متجنبًا أي محادثة قد تجره إلى مزيد من الإزعاج. عيناه نصف مغمضتين، ووجهه الشاحب يفضح أنه لم يحظَ بنومٍ كافٍ، لكنه كان يدرك جيدًا أن محاولته للبقاء غير ملحوظ لن تنجح، خصوصًا بوجود لايت في الجوار. وكما توقع تمامًا، كان لايت جالسًا هناك، يحتسي قهوته السوداء ببطء شديد، بينما تراقصت على شفتيه ابتسامة خبيثة. رفع كوبه بهدوء، ثم قال بصوت يحمل خليطًا من السخرية والتشفي: "كيف كان الشعور عندما تحطم سيفك؟" توقف أندي عن مضغ لقمة الخبز التي كان يحاول تناولها بصمت. رفع رأسه ببطء، وعيناه تضيقان في ملامح غير راضية. لم يكتفِ لايت بهذا، بل تابع كلامه بنبرة أكثر استفزازًا: "أوه، ولا ننسى كيف فقدت وعيك بضربة واحدة؟ تلك اللحظة... كانت مضحكة جدًا!" ارتفع حاجب أندي في ضيق واضح، فيما حاول كبح أعصابه. تنفس ببطء قبل أن يرد، صوته هادئ لكن يحمل تحذيرًا خفيًا: "لا تذكرها مجددًا، لايت." لكن لايت، كعادته، لم يكن ليفوّت فرصة إغاظة أندي بسهولة. استند إلى الطاولة براحة، ثم أخذ قطعة خبز وبدأ في مضغها ببطء متعمد، وكأنه يستمتع بإطالة معاناة أندي. ابتسم بمكر قبل أن يضيف: "تبدو متوترًا... هل تريد بعض الحليب الدافئ ليساعدك على الهدوء؟" قبض أندي على الملعقة في يده، وشعر بعضلاته تنقبض. لم يكن غاضبًا فحسب، بل كان يعلم أن لايت لن يتوقف ما لم يرد عليه برد موجع. همّ بفتح فمه ليقلب الطاولة على لايت، لكن قبل أن ينطق بكلمة واحدة... توقف كل شيء. دوى صوت خطوات ثابتة عبر القاعة، لتفرض هدوءًا مفاجئًا. التفت الجميع نحو المدخل، حيث كان الخادم الملكي واقفًا هناك، مهيبًا كما المعتاد، لكنه هذه المرة كان ممسكًا بجوهرة متوهجة بلون أزرق شفاف، تنبعث منها هالة باردة جعلت الجو أكثر جدية. "سيدي أندي." قال الخادم بصوت رسمي، عاكسًا ثقل اللحظة. "لقد حان وقت اختبار القوى." شعر أندي بقلبه ينبض بقوة. هذا الاختبار لم يكن مجرد إجراء شكلي، بل كان لحظة حاسمة ستحدد مستقبله. لحظة واحدة ستكشف إمكانياته الحقيقية. تنفس بعمق، محاولًا السيطرة على التوتر المتسلل إلى أوصاله. نهض من مكانه ببطء، كتفيه مستقيمان، وعيناه تلمعان بالتحدي. لم يكن هذا مجرد اختبار... كان بداية طريقه نحو مصيره الحقيقي. وقف أندي أمام الطاولة، يحدق في حجر الصحوة اللامع الذي ينبض بطاقة غامضة. كانت القاعة غارقة في سكون ثقيل، لا يُسمع سوى صوت أنفاسه الهادئة، رغم الترقب الذي يملأ الأجواء. الضوء المنبعث من الحجر كان يخترق العتمة الخفيفة، ينعكس على وجوه الحاضرين، حيث امتزج التوتر بالحيرة. "هل أنا مستعد؟" تساءل في أعماقه، لكنه لم يسمح للشك أن يتسلل إلى ملامحه. مد يده ببطء، أصابعه تلامس سطح الحجر البارد. لحظة صمت قاتلة. ثم، كما لو أن الحجر قد تنفس لأول مرة، اهتز بلطف تحت يده. في البداية، انبعث منه نور أبيض نقي، تسلل في أرجاء القاعة، فبدت كأنها محاطة بضوء سماوي هادئ. لكن فجأة— تحول الضوء إلى سواد حالك. كأن ظلامًا لا نهاية له قد انفجر من أعماق الحجر، اجتاح القاعة كعاصفة باردة، جعلت الجميع يحبس أنفاسه. شعر بتيار جليدي يزحف في عروقه، كأن شيئًا مجهولًا يحاول اختراق أعماقه، كشف خباياه، ونبش أسراره الدفينة. ثم— اجتاحته الرؤى. الرؤية الأولى: عين الشر لم تعد القاعة كما كانت. انقلبت الدنيا من حوله. أصبحت الجدران مائعة، تتلوى كأنها ستنهار. وجوه الحاضرين لم تعد مألوفة—تحولت إلى كيانات زاحفة، بعيون فارغة تحدق فيه. صوت همسات متشابكة تدوي في أذنيه، كلمات مبهمة، مشوهة، لا يستطيع فك شيفرتها. لكن وسط كل هذا الفوضى، بدأ يرى شيئًا مختلفًا. أصبحت عيناه كنافذتين تخترقان القناع الزائف للعالم، تكشف ما يختبئ تحته. لم يكن مجرد إدراك خارق، بل كان شيئًا أكثر خطورة... وأكثر قوة. "أنا لا أرى الواقع فقط... بل أرى ما هو أبعد منه." كل كائن، كل جسم، كل شيء أمامه كان محاطًا بهالة خفية، تكشف حقيقته. الوهم؟ الخداع؟ لا يمكنهما الصمود أمام عين الشر. الرؤية الثانية: النسخ البدائي وميض خاطف. تحولت الرؤية، ليجد نفسه واقفًا في ساحة معركة بلا حدود. من حوله، مقاتلون مختلفون، كل منهم يتميز بمهارة فريدة، قوة متفجرة، أسلوب قتال لا مثيل له. لكنه لم يكن مجرد مشاهد— كلما واجه أحدهم، أحس بشيء غريب. مهاراتهم لم تعد ملكهم وحدهم. كانت تتدفق إليه. كل حركة، كل تقنية، كل أسلوب قتالي... انعكس في جسده وكأنه امتلكه منذ الأزل. كان أشبه بمرآة، لكنها لا تعكس فقط، بل تمتص جوهر كل من يقف أمامها. لكن هذه القوة لم تكن بلا ثمن. كان عليه أن يقرر... أي مهارة تستحق أن تصبح جزءًا منه؟ أي قوة يجب أن يمتلكها؟ "إمكانات لا نهائية..." همس في داخله، بينما تشتعل عيناه بإدراك جديد. "لكن أيها يستحق أن يكون لي؟" العودة إلى الواقع شهقة قصيرة. عاد إلى وعيه فجأة، وكأن أحدهم قد انتزعه من العدم. يلهث بصمت، بينما تلاشى وهج الحجر ببطء. رفع يده أمامه، يحدق في أصابعه المرتجفة، وكأنه لا يزال يشعر بصدى القوة التي اجتاحته. القاعة بأكملها كانت صامتة. كل العيون مسلطة عليه. لكن هناك عينين كانتا مختلفتين. لايت. كان يراقبه عن كثب، نظراته لم تكن تحمل الدهشة، بل شيئًا آخر... شيئًا أعمق. تحليل. دراسة. ترقب. "اثنتان؟" تمتم أندي بصوت بالكاد يُسمع، وكأنه يتحدث إلى نفسه. ثم، مع وميض إدراك خاطف، همس: "عين الشر... النسخ البدائي..." ارتسمت على شفتي لايت ابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن مجرد مزاح. "إذاً، لم تكن متأكدًا، أليس كذلك؟" رفع أندي رأسه ببطء، نظراته لم تفقد هدوءها. ثم، دون أن يفقد لمسته المرحة، غمز بخفة وقال: "أعتقد أنني كنت أنتظر أن تفاجأ أنت أيضًا." ضحك لايت بصوت خافت، لكن تلك الابتسامة سرعان ما تلاشت. أمال رأسه قليلًا، عيناه أصبحت أكثر جدية. "كنت أملك فكرة..." قال بصوت منخفض، ثم أضاف: "لكنني سأراقبك عن كثب من الآن فصاعدًا." كانت نبرته هادئة، لكنها تحمل شيئًا خفيًا. شعر أندي ببرودة طفيفة في كلماته، لكنه لم يعلق. كان يعلم أن ما حدث لم يكن مجرد اختبار... بل بداية شيء أكبر بكثير. بعد انتهاء الاختبار، خرج أندي من القلعة متجهًا نحو غابة نجم النهار، حيث يقع المقر السري لفريقه. كانت الشمس تتسلل بين الأغصان العالية، ترسم ظلالًا ذهبية على الأرض المكسوة بأوراق الأشجار المتساقطة. الهواء كان مشبعًا برائحة الخشب الرطب والمسك البري، ممتزجًا بعطر الأزهار البرية التي تفتحت بعد المطر الأخير. كلما تعمّق في الغابة، ازدادت الطبيعة جمالًا وسحرًا. الأشجار العملاقة وقفت شامخة، جذوعها مغطاة بطبقات خفيفة من الطحالب الخضراء، وأغصانها المتشابكة شكلت سقفًا طبيعيًا، يحجب معظم أشعة الشمس، تاركًا المكان في ضوء خافت أشبه بحلم. صوت تغريد الطيور امتزج مع حفيف الأوراق التي تتمايل مع النسيم، وكأن الطبيعة تعزف لحنًا هادئًا لا يسمعه إلا من انتبه لجمالها. بعد مسافة ليست بالقصيرة، توقف أندي أمام بناء قديم وسط الأشجار الكثيفة. بدا وكأنه منزل مهجور، جدرانه مغطاة بطبقات من الكروم المتسلقة، وسقفه الخشبي كان متآكلًا قليلًا عند الأطراف، مما منحه مظهرًا عتيقًا يضفي عليه هيبة غامضة. رغم ذلك، كانت هناك تفاصيل تكشف أنه لم يكن مهجورًا تمامًا—الخشب على الباب لم يكن متآكلًا بالكامل، وأثر خطوات حديثة على الأرضية الطينية أمام المدخل كان يثبت أن هناك من يستخدم المكان. تقدم أندي بخطوات هادئة، وصوت حذائه أحدث صريرًا خافتًا فوق الخشب المتهالك. رفع يده، ووضعها على مقبض الباب البارد، ثم دفعه ببطء، ليصدر صوت أنين خفيف كأنما كان يرحب بقدومه بعد غياب. بمجرد أن خطا أندي داخل المقر السري، شعر بالراحة التي يجلبها هذا المكان، حيث لا يوجد شيء سوى الهدوء، والمخططات، والأصدقاء الذين لا يحتاج إلى إخفاء شيء عنهم. كان المقر مخفيًا بعناية وسط الأشجار الكثيفة، محاطًا بتمويه طبيعي يجعل اكتشافه مستحيلًا تقريبًا. كانت الطاولة في المنتصف مغطاة بالخرائط والملاحظات، فيما جلس الأصدقاء في أماكنهم المعتادة، بانتظار أن يبدأ الاجتماع كما جرت العادة. رفع ماكوتو نظره من فوق كوب الشاي الذي كان يحتسيه ببطء، وعيناه تحملان مزيجًا من الهدوء والسخرية المعتادة: "ماذا لديك اليوم، أندي؟ هل قررت أن تصبح أقوى سياف في العالم؟ أم أنك اكتشفت هدفًا جديدًا؟" ابتسم أندي وهو يسند نفسه إلى الحائط بذراعيه المتقاطعتين، ناظرًا إلى صديقه المقرب. ماكوتو كونت لم يكن مجرد رفيق قديم، بل الأخ الذي لم تلده له الحياة، فقد تربيا معًا في قصر عائلة كارن منذ الطفولة. رغم أن ماكوتو كان يكبره بعام، إلا أنه لم يتردد لحظة في ترشيح أندي ليكون قائد الفريق، مؤمنًا بأنه الأقرب إلى الجميع. "بالطبع، هدفي لم يتغير." قال أندي بنبرة واثقة، قبل أن يتنقل بنظره بين الحاضرين. "وأنتم أيضًا، أليس كذلك؟ كلنا نريد أن نصبح الأفضل في مجالاتنا." كانت إيا رايكر، ابنة خالته وابنة المستشار الملكي سيليس رايكر، جالسة بالقرب منه، مستندة إلى ظهر مقعدها بخفة. عيناها كانتا تتابعانه بصمت كما تفعل دائمًا، تخفي اهتمامها العميق خلف ابتسامة رقيقة. رغم أنها لم تعترف بمشاعرها علنًا، إلا أن الجميع كانوا يدركون أن نظراتها تجاه أندي كانت مختلفة. قالت بصوت هادئ، ناظرة إلى الجميع: "أعتقد أنني سأصبح أقوى ساحرة مدافعة في العالم... سيكون الأمر ممتعًا، أليس كذلك؟" التفت أندي إلى شادو غورس، الذي كان يجلس في الزاوية منهمكًا بفحص بندقيته كعادته. لم يكن شادو مجرد زميل دراسة قديم، بل كان أقرب ما يكون إلى روح الفريق، القناص البارع والمهرج الذي يجعل كل اجتماع أخف وطأة. "وأنت يا شادو؟ هل ما زلت تطمح لأن تكون القناص الأفضل؟" لم يرفع شادو رأسه، لكنه اكتفى بابتسامة جانبية وهو يعيد تركيب بندقيته بمهارة: "الهدف لا يكفي، يجب أن أعرف كيف أستخدم مهاراتي بأفضل طريقة. القوة وحدها لا تعني شيئًا إن لم أكن قادرًا على استغلالها بذكاء." ضحك ماكوتو، واضعًا كوبه على الطاولة قبل أن يقول بنبرة خفيفة: "نحن فريق، لكن لا تنسوا أن لكل واحد منا طريقه الخاص." هز شادو كتفيه، ثم قال بجدية غير متوقعة: "المهم أننا سنتغلب على أي شيء يقف في طريقنا، لا يهم إن كنت سيافًا، قناصًا، أو ساحرًا. في النهاية، نحن نكمل بعضنا البعض." ساد الصمت للحظة، قبل أن يتبادلوا النظرات. كان لكل واحد منهم حلمه الخاص، لكن في النهاية، كان لديهم هدف مشترك—أن يصبحوا أقوى مما هم عليه الآن. رفع أندي قبضته في الهواء قائلاً بحماس: "إذاً، لننطلق جميعًا نحو تحقيق هذه الأهداف. ولن نسمح لأي شيء أن يقف في طريقنا!" ردد الجميع الهتاف ذاته، لكن قبل أن ينتهي الضجيج، التفت أندي فجأة نحو ماكوتو، ملاحظًا أنه الوحيد الذي لم يشارك. رفع حاجبه قائلاً بمكر: "صحيح، ماكو، ماذا عن حلمك؟ لم تخبرنا عنه بعد." ارتسمت ابتسامة غامضة على شفتي ماكوتو، وهو ينهض من مكانه ويتقدم ليقف في وسط المقر. ظل صامتًا للحظة، قبل أن يمرر نظره على وجوههم جميعًا، ثم قال بصوت منخفض لكنه حاد: "حلمي أن أ..."