الفصل 1
الفصل الأول: البحر الأسود
كان البحر يمتدّ بلا نهاية، مظلمًا كليلٍ بلا نجوم، صامتًا لكنه ليس فارغًا. كانت الرياح تهبّ ببطء، تداعب سطح الماء، لكنه لم يكن الهدوء الذي يبعث الطمأنينة، بل كان أشبه بسكونٍ مخيف يسبق العاصفة.
على سطح البحر الهائج، كان هناك قارب صغير يطفو وحيدًا في هذا الامتداد الأسود. محركه كان يئنّ، وكأنه يرفض مواصلة الرحلة، والماء يضرب جوانبه بإيقاعٍ بطيء لكنه ثقيل، وكأن البحر كان يختبرهم قبل أن يقرر مصيرهم.
كان على متن القارب أربعة أشخاص، كلّ واحدٍ منهم يحمل معه قصةً مختلفة، لكن الليلة... الليلة سيكتب البحر قصتهم بنفسه.
سليم، القائد غير الرسمي للفريق، كان يقف عند مقدمة القارب، يحدّق في الظلام الدامس. كان يحمل في داخله شعورًا غريبًا، إحساسًا مزعجًا لم يفارقه منذ أن غادروا الميناء. لم يكن خائفًا، بل متيقظًا، كصيادٍ يعلم أن فريسته ليست الوحيدة التي تسبح في هذا البحر.
خلفه، كان آدم مشغولًا بمحرك القارب، يضبط السرعة ويراقب استجابته، لكن عقله كان مشغولًا بشيء آخر. لم يكن مرتاحًا لهذه الرحلة منذ البداية، وكأن شيئًا في داخله يصرخ أنه يجب عليهم العودة.
أما ليلى، فقد كانت تراجع معدات الغوص، تتأكد من سلامتها قبل أن يحين وقت النزول. كانت أكثرهم شجاعة، أو ربما الأكثر جنونًا، لا تؤمن بالأساطير ولا تخشى البحر، لكنها كانت تعرف أن الطمأنينة في البحر هي أول خطوة نحو الموت.
وأخيرًا، كان هناك عمر، يجلس في زاوية القارب، يحمل دفترًا صغيرًا يكتب فيه ملاحظاته. كان باحثًا عن الأسرار، مهووسًا بالغموض، يؤمن بأن البحر يخفي أكثر مما يكشف، وأن ما نعرفه عن المحيطات ليس سوى قشور على سطح عالم مجهول.
لقد جاؤوا إلى هنا بحثًا عن حطام سفينة قديمة، غرقت منذ عقود وسط قصص غامضة عن كنز مفقود. لكن لم يكن الكنز وحده ما قادهم إلى هذه الرحلة، بل الفضول، والرغبة في اكتشاف المجهول، حتى لو كان الثمن حياتهم.
ثم حدث ذلك.
ضربة عنيفة هزّت القارب، كأن شيئًا ضخماً اصطدم به من الأسفل.
توقّف الجميع، تبادلوا النظرات بوجوه متجمدة، لم يكن أحدٌ منهم قد تحرّك، لكن القارب كان يهتزّ وكأن يدًا خفية تدفعه.
ثم جاءت الضربة الثانية. أقوى. أعنف.
صرخت ليلى: "ما هذا؟!"
لم يجب أحد. الجميع كان ينظر إلى المياه، يبحث عن شيء... أي شيء. لكن البحر كان صامتًا، يخفي وحشه في الأعماق.
ثم... ظهر شيءٌ ما.
زعانف ضخمة شقّت سطح الماء للحظات، قبل أن تغوص مجددًا في الأعماق.
لم تكن زعنفة واحدة. لم تكن اثنتين.
كانت ثلاثة.
وكانوا ينتظرون اللحظة المناسبة ليهاجموا.