فصل سادس
ذهنها خاطر أيقظها تماماً ، وهو إذا لم يكن ما سمعته من خبط وارتطام بالأرض قد قام به ستروم غالبريث ، وليس لديها ما يدفعها إلى الاعتقاد بأنه كاذب فمن هو الفاعل إذن ؟
أترى هذه الضجة جاءت من الغرفة الصغيرة على السطح؟ ربما هي الريح قد هبت من إحدى النوافذ مما تسبب بسقوط شيء على الأرض ، فيكون هذا هو الصوت الذي سمعته والمصحوب بالارتطام بالأرض . لا بد لها من تفحص الأمر ....
وأغمضت نيرن عينيها وهي تجر الغطاء إلى ما فوق رأسها . إنها طبعاً لن تفتش عن مصباح لتصعد ذلك السلم الضيق المكشوف وحدها إلى تلك الغرفة الصغيرة لكي تطوف هناك بين الظلال متحسسة الأشياء غير عالمة بما قد تجد . كما أنه ليس بإمكانها أن تطلب من السيد ستروم غالبريث مرافقتها بعد ذلك الاستقبال الذي تلقته منه آنفاً . إنها ستؤجل تفحص تلك الغرفة إلى الصباح بعد أن يكون هو قد غادر المنزل .
كان الجو دافئاً تعبق فيه رائحة البيض المقلي والقهوة ، عندما صدر عن الكلب شادو زمجرة منخفضة عرفت هي منها أن الضيف في طريقه إليها قادماً من غرفته . فاغتصبت ابتسامة وهي تستدير إليه حاملة المقلاة في يدها ،
وفي اليد الأخرى ملعقة طويلة ، لتراه واقفاً على العتبة تشع منه رجولة فياضة بكنزته وبنطلونه الأسودين وشعره الأسود المسرح إلى الخلف بدون اهتمام . وتسارعت خفاقات قلبها قليلاً وهي ترى النظرة غير العادية التي بدت في عينيه الزرقاوين وذلك باستدارتها المفاجئة إليه على غير انتباه منه . فقد خيل إليها أنها رأت في عينيه ومضة غريبة سرعان ما أخمدها بنظراته السريعة .
وحدثت نفسها وهي تحييه بخفة ، بأنها لا بد كانت تتخيل ذلك فما الذي يجذبه فيها؟ فهي ليست من نوع نساء المدن الرشيقات الأنيقات اللاتي قد اعتاد عليهن . إنها لا تعدو أن تكون امرأة ريفية طويلة القامة ذات شعر كثيف أحمر جلب الشقاء إلى حياتها! فلماذا يجعلها وجوده تشعر بمثل هذا الضيق؟ لماذا أصبحت فجأة تهتم بمظهرها؟ وحدثت نفسها تأمرها بالهدوء . فهو سرعان ما سيرحل إنها ستقدم إليه الفطور ثم ترسله في طريقه وعندما تنتهي من تغيير ملاءات سريره وتنظيف الغرفة ستنسى كل شيء عنه وكأنه لم يكن .
وقالت له : - إنني أقدم الطعام للمستأجرين ، عادة في غرفة الطعام ولكن بما أنك بمفردك لا أظنك تمانع في تناول الفطور في المطبخ ، فهو أكثر دفئاً في فصل الشتاء .
وأشارت بالملعقة التي في يدها إلى المائدة الخشبية المستديرة وهي تتابع قائلة : - يمكنك أن تسكب لنفسك القهوة وسأكون معك بعد لحظة .
ورغبة منها في التظاهر بالعفوية وعدم الاهتمام ، أخذت تهمهم بأغنية خفيفة وهي تعد شرائح اللحم والبيض المقلي ، والفطر والطماطم المشوية ، ذلك أنها قررت بحزم أن أفضل ما يمكنها عمله هو أن تتظاهر بأنه لم يحدث بينهما شيء قط الليلة الماضية .
واستدارت متوقعة أن تراه جالساً إلى المائدة ولكنه كان واقفاً ينظر من خلال النافذة وظهره إليها ، فتنحنحت وهي تتقدم من المائدة تضع عليها طبقه وتقول : - لقد تغير الجو هذا الصباح فهو يبدو كأيام الربيع . كنت ارتديت سترتي السميكة عندما خرجت للتمشي من فترة ، ولكنني عند عودتي خلعتها بعد أن شعرت من حرارة الجو بأن كنزتي هذه تكفي تماماً . فاستدار إليها ، لترى أن بشرته كانت أشد اسمراراً مما كانت تظن . وبدا أن لونه القاتم قد أظهر زرقة عينيه الحادتين أكثر جلاء وسألها : - هل سبق لكِ الخروج هذا الصباح؟
فأجابت : - نعم فأنا آخذ شادو كل صباح في نزهة قصيرة .
فقال وهو يلوي شفتيه : - نزهة قصيرة؟ كم من الوقت تبلغ هذه النزهة القصيرة يا سيدة كامبل؟
فألقت نيرن نظرة على الكلب الذي كان يضرب الأرض بذيله بعد إذ سمعهم يذكرون اسمه وقالت : -إننا نسير إلى الطرف الآخر من غلينكريغ ثم على امتداد البحيرة إنها تأخذ قرابة الساعة .... فهي على بعد أميال تقريباً .
فقال ساخراً : - آه ، أهذه هي النزهة القصيرة؟ وعاد ينظر من النافذة نحو مشاتل النباتات الممتدة إلى اليمين وهو يقول : - هل لديك مزرعة لتزويد السوق بالخضراوات ؟
فهمهمت وهي تشكر حظها على أنه يبدو على خلق مهذب هذا الصباح ويبدو أنه قرر هو الآخر أن يضع ما حدث الليلة الماضية خلف ظهره .
أدنت كرسياً نحو المائدة لأجله وكتمت ابتسامتها وهي ترى ومضة دهشة على ملامحه إذ رآها تجلس هي أيضاً . هل كان يتوقع منها أن تتصرف كخادمة فتنتظره إلى أن يفرغ من طعامه لتجلس وتتناول طعامها؟ وسكبت فنجانين من القهوة وانتظرت إلى أن جلس فمدت إليه يدها بفنجانه .
قالت وهي تدهن قطعة من الخبز المحمص بالمربى : - كنت تسألني عن المزرعة وسأشرح لك الأمر الآن . إنها عملية مزدوجة في الحقيقة ذلك أن المنزل مؤلف من قسمين ، المزرعة والمنزل ، فقسمي أنا هو المنزل .. وأثناء الصيف كما أخبرتك أدير نزل برواش الذي يقدم غرفة وفطوراً . أما روري والفتيان فقد كانوا يعتنون بالمزرعة فيستنبتون الخضر والفواكه لبيعها في الجنوب غالباً ولكن .....
فسألها مقطب الحاجبين وهو يرفع لقمة إلى فمه : - الفتيان؟